هل تتخلى أمريكا عن الجيش العراقي؟

      Comments Off on هل تتخلى أمريكا عن الجيش العراقي؟

الكاتب: بيتر غالبريث

ترجمة وتلخيص: مؤيد جبار حسن

يقول الكاتب في مستهلّ مقاله: “تدرب الولايات المتحدة جيشا وطنيا لأمة لا وجود لها”. شن الجيش العراقي والميليشيات الشيعية عملية

لاستعادة السيطرة على تكريت، وهي مدينة سنية تقع على بعد (95) ميلا شمال العاصمة بغداد، ومدينة تكريت هي مسقط رأس صدام حسين. الأمريكيون لم يشتركوا فيها، كذلك القوات الجوية لقوات التحالف الدولي التي تقودها الولايات المتحدة لم تقدم الدعم؛ لأن هذا الفعل نظم بالأساس من قبل إيران، التي قادت العملية مع الميليشيات الشيعية التي تهيمن عليها، والتي تستجيب لطهران بقدر استجابتها لبغداد.

في منتصف شباط، أدلى مسؤول في البنتاغون بتصريح للصحف أعلن فيه عن توقيت زمني للهجوم العراقي لاستعادة الموصل – ثاني أكبر مدينة في العراق – من تنظيم ما يسمى بـ(الدولة الإسلامية). وكما أعلنت صحيفة ديلي بيست الأسبوع الماضي، أن وزارة الدفاع الأمريكية قالت أن موعد نيسان وأيار لم يعد نافذ المفعول، وأوضحت أن الجيش العراقي ليس مستعدا،

وقد لن يكون مستعدا أبدا.

إذ في بداية عام 2014، كان الجيش العراقي يتكون من (17) فرقة. وبحلول نهاية العام، لم يبق سوى (7) فرق، وربما أقل. ويعتقد بيتر غالبريث أن الجيش العراقي حتى وهو في كامل قوته، لم يكـُن قوة قتالية كبيرة.

فعلى الرغم من تفوق الجيش العراقي العددي نسبة إلى مقاتلي تنظيم “داعش” المهاجمين من 10/1 أو 15/1، فقد خسر الموصل خلال عشر ساعات فقط في 10 / حزيران / 2014. وهاجمت قوات تنظيم “داعش” الموصل في شاحنات صغيرة، بينما كان لدى المدافعين عنها عربات همفي مدرعة أمريكية ودبابات ومروحيات ومدفعية وبنادق متطورة، والتي انتهى بها المطاف في أيدي رجال التنظيم. بعد شهرين، استخدم تنظيم “داعش” هذه الأسلحة الأمريكية لمهاجمة الأكراد. الولايات المتحدة، التي وفرت أسلحة بمليارات للجيش العراقي، تنفق الآن مئات الملايين على الضربات الجوية لتدميرها.

مخططو البنتاغون يفهمون أوجه القصور في الجيش العراقي، حيث إن الأخير – حسب رأي الكاتب – غير منظم، ويدار بصورة سيئة، مسيس فاسد، ويعاني من انقسامات طائفية وعرقية. ولكنهم أخطأوا حين تصوروا أن هذه المشاكل يمكن تصحيحها مع قيادة أفضل، وتدريب، وسياسة تحتوي الساخطين من السنة والأكراد.

في الواقع، فإن المشاكل التي يعاني منها الجيش العراقي تعكس مشاكل العراق، حيث الشيعة والسنة لم يتفقوا على ما يعنيه أن يكونوا عراقيين، وحيث الأكراد لا يرغبون بأن يكونوا جزءًا من العراق على الإطلاق. أوجه القصور في الجيش لا يمكن تصحيحها؛ لأنها تعكس واقع المجتمع.

إدارة أوباما وجميع خبراء السياسة الخارجية الأمريكية تقريبا، يلقون باللوم على السياسات الطائفية لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، للمساهمة في صعود ما يعرف بتنظيم “داعش”. في هذا الصدد، تنكر المالكي لوعوده للسنة بتضمين أبناء العراق (الميليشيات السنية التي كانت المفتاح لهزيمة تنظيم القاعدة عام 2007) في الجيش العراقي، وبدلا من ذلك عين الموالين الشيعة كضباط كبار، وهمش أهل السنة في الجيش والحكومة والمجتمع، وكانت حكومته طائفية وفاسدة وغير فعالة. ويعود غالبريث ليؤكد أنه ربما كان المالكي على حق فيما يخص السنة.

ويرى الكاتب، أن جورج بوش الابن هو من دبر الثورة في العراق. و يبدو أنه كان غير مدرك لما كان يفعل. إذ أنهى الغزو (80) عاما من الدكتاتوريات العربية السنية، وحلت محلها الحكومات المنتخبة ديمقراطيا. في كل الانتخابات التي جرت منذ عام 2005، صوت العراقيون الشيعة بأغلبية ساحقة لصالح الأحزاب الدينية الشيعية.

السنة، وحتى غير المتدينين بشكل خاص، لا يقبلوا أن تـُعرف الهوية العراقية بطريقة تستبعدهم أو تعاملهم كأقلية. العديد من أهل السنة يعتقدون أن حكام العراق الجدد هم أكثر ولاء لشركائهم في الدين (الشيعة في طهران) من العراق.

لقد رعت إيران – لعقود طويلة – الأحزاب الشيعية العراقية، بما في ذلك الدعوة، حزب كل من المالكي ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، وهذا يعزز التصورات السنية، والتي – في أي حال – قد لا تكون خاطئة. في ساحة الفردوس في بغداد، حيث في عام 2003 ساعد مشاة البحرية الأمريكية العراقيين على إسقاط تمثال صدام حسين. الآن هناك صورة معلقة للخامنئي، المرشد الأعلى الإيراني.

كما ترى الشيعة أن أهل السنة رفضوا قبول حكم الأغلبية، وتذكروا – في حين يبدو أن المخططين الأميركيين قد نسوا ذلك – ترحيب زعماء العشائر السنية ودعمهم لرجال القاعدة، بين عامي 2003 و 2006، الذين اغتالوا رجال الدين الشيعة، وذبحوا الزوار الشيعة، وقصفوا الأسواق ومحطات الحافلات في المدن والبلدات الشيعية.

وينفي الكاتب أن يكون انقلاب السنة ضد القاعدة بسبب اشمئزازهم لقتل الشيعة، أو لأنهم يريدون المصالحة، ويرى أن المتطرفين قد انقلبوا على زعماء العشائر، وطالبوهم بالمال والبنات والولاء، وشيوخ السنة رفضوا ذلك. ومع المساعدة المالية الأمريكية، شكلوا ميليشيات أجهزت على تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين في غضون أشهر.

فهم المالكي جيدا أنه لم يكن هناك مصالحة حقيقية بين الأحزاب الدينية الشيعية والسنية، فقام بالتقليل من دور السنة في الجيش العراقي (والحكومة المركزية)؛ لأنه لا يرى أية قيمة من دمج السنة في جيش تتمثل مهمته الرئيسة في حماية الدولة الشيعية من السنة. ولم يكن مخطئا في حكمه.

فعندما اقترب تنظيم “داعش” من الموصل، تصرفت بعض القوات وكذلك الضباط السنة كطابور خامس، عبر تقديم المعلومات الاستخباراتية والأسلحة للمهاجمين. فيما سلم الجنود السنة أنفسهم وذهبوا إلى بيوتهم أو انضموا لـ”داعش”. وفر قادة الجيش الشيعة إلى كردستان المجاورة، وتـُرك المجندين الشيعة ليواجهوا التعذيب والإعدام – كما عرضت على الفيديوهات – على يد تنظيم “داعش”.

منذ أن قرر حاكم بوش في العراق (بول بريمر) حل جيش صدام حسين في عام 2003، والولايات المتحدة تكافح لإنشاء جيش عراقي فعال. وبحسب رأي بيتر غالبريث، من المستحيل بناء جيش وطني حقيقي في حين لم يكن لدى العراقيين فكرة الأمة المشتركة، وعندما ترى مكوناته بعضها البعض وكأنهم أعداء.

هناك – بطبيعة الحال – قوات قتالية فعالة في العراق التي تواجه تنظيم “داعش”. فالبيشمركة دفعت هذا التنظيم بعيدا عن الأراضي التي استولت عليها في آب، وتستمر في محاربته حول كركوك ومخمور والموصل. وقدم الأكراد ما يقرب من (1,000) ضحية. وبدعم جوي أمريكي، ألحقوا الإصابات في صفوف التنظيم.

الأكراد – بطبيعة الحال – متحفزون للدفاع عن كردستان. ويمكن أن يدعموا عملية تحرير الموصل من أراضيهم، لكنهم أوضحوا أنهم لن يضحوا بحياتهم من أجل المدينة العربية السنية أو نيابة عن بلد كـ(العراق)، الذي لا يريدون أن يكونوا جزءًا منه.

الميليشيات الشيعية المسلحة – والتي في بعض الحالات – بقيادة الإيرانيين دافعت عن بغداد وسامراء (حيث المرقد الشيعي) في الصيف الماضي. وفي الآونة الأخيرة، فقد دفعوا تنظيم “داعش” من عدة قرى في محافظة ديالى المختلطة دينيا وعرقيا.

ويقرر الكاتب، أن الجيش العراقي نفسه – وبشكل واضح ومتزايد – هو مؤسسة طائفية. ومن المفارقات، فإن هذا قد يجعله قوة قتالية أكثر فاعلية. والعرب السنة – الذين ما زالوا في الجيش – يترددون في التضحية بحياتهم بالنيابة عن الدولة الشيعية، وخاصة لو كان ذلك يعني القتال ضد السنة الذين ينتمون لهم. وعلى النقيض من ذلك، خاضت الميليشيات الشيعية مواجهات شديدة في عام 2014، للدفاع عن منازلهم ودينهم، لدرجة أن الجيش العراقي أصبح أشبه بميليشيا شيعية (وإن كان مدفوعا وتسليحه أفضل)، فإنه قد تشارك حماس الميليشيات.

وزارة الدفاع الأمريكية ما تزال ترى الجيش العراقي كمؤسسة وطنية. ونتيجة لذلك، توفر له حصة الأسد من المساعدات الأميركية العسكرية. حاليا، الكثير من الأسلحة الأمريكية تذهب إلى الجيش العراقي الذي لا يبدو مستعدا للقتال مثلما تقاتل قوات البيشمركة.

إذا ما فشل الهجوم الحالي ضد تكريت (ولقد واجه الجيش العراقي صعوبة كبيرة في محاولة استعادة بعض القرى الصغيرة المجاورة لقاعدة جوية كبيرة في محافظة الأنبار)، فإن ذلك لن يبشر بخير بالنسبة لحملة الموصل.

ولكن، النجاح في تكريت لا يعني بالضرورة النجاح في الموصل. إذ يرى السنة في الموصل الجيش العراقي جيشا أجنبيا، وسيكون القتال من بيت إلى آخر في مدينة يسكنها (3) ملايين. من المؤكد أن الكثير من المدنيين سيقتلون حتى لو أن الجيش تصرف بشكل جيد، وهو أمر غير مرجح.

وحتى إن خسرت الموصل، فإن تنظيم “داعش” سيتبقى له أرضا واسعة في العراق، ومجموعة من السنة المستائين، وملاذا في سوريا.

في عراق منقسم بعمق، فإن هجوما حكوميا ناجحا لاستعادة الموصل قد لا يحل الكثير من الأمور.

http://www.thedailybeast.com/articles/2015/03/04/can-we-just-give-up-on-the-iraqi-army.html