
أ. د عدنان حسين الخياط / باحث مشارك في قسم إدارة الازمات
مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء
تموز 2025
أولا: ماهية صناديق الثروة السيادية وأهدافها :
تمثل صناديق الثروة السيادية مؤسسات ادخارية واستثمارية حكومية تتجمع فيها موارد مالية وأصول تستخدم في دعم وتطوير قطاع الاستثمارات في بلدانها عن طريق مساهمتها في الانشطة الاستثمارية على الصعيدين الداخلي والخارجي .
لقد أصبح وجود مثل هذه الصناديق مهما لجميع الدول ، ولاسيما بالنسبة للبلدان النفطية التي تعتمد معظم ايراداتها على تصدير النفط ، في ظل ما تتصف به سلعة النفط من خصائص ، فهي رأس مال وطني عام لابد ان يؤول الى النضوب أو احتمالات تحول الطلب عن هذه السلعة نحو مصادر الطاقة البديلة . ومن ثم فان الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط تُعد بمثابة بيع تدريجي لأجزاء من هذه الثروة ، أي ( تنقيد ) Monetize لموجودات آئلة الى النضوب أو تحول الطلب عنها ، فينتهي بذلك المورد المالي المتوّلّد عن هذه الموجودات .
ان وجود مثل هذه المخاطر لاستمرار الاعتماد على ايرادات النفط ، يوجب على الدولة ، وهي المسؤولة عن ادارة موارد النفط ، أن تعملَ على الاستفادة من موارد النفط في تنويع الاقتصاد الوطني باتجاه نقل الاقتصاد الوطني تدريجياً ، من اقتصاد ريعي احادي الجانب الى اقتصاد متنوع الانتاج والموارد ، أي التحوّل من امتلاك رأس مال وطني يتصف بالنضوب ، الى امتلاك موجودات ورؤوس أموال وطنية تتميّز بالاستمرار والاستدامة التنموية . فضلا عن انّ عملية تنويع الاقتصاد تشكّل صمام أمان لمواجهة الأزمات المالية والاقتصادية والحد من التأثيرات السلبية لصدمات انخفاض أسعار النفط على الموازنة العامة في الدول الريعية النفطية التي تشكل ايرادات النفط النسبة الكبيرة من ايراداتها .
ان اهتمام دول العالم ، والنفطية منها على وجه الخصوص ، بالتنمية والتنوع الاقتصادي ، جعلها تزيد من تركيزها على مسألة انشاء اطار مؤسسي لادارة الاستثمارات الحكومية والشراكة مع القطاع الخاص ، ولاسيّما الدول التي تحتاج اقتصاداتها الى دفعة قوية من الاستثمارات العامة والخاصة لكي تتمكن من جذب الاستثمارات وتطوير الأسواق المالية والأنشطة المصرفية .
وتُعد صناديق الثروة السـيادية Sovereign Wealth Funds (SWF) من أبرز مؤسسات الاستثمار الحكومية في الوقت الحاضر التي تم انشاؤها في العديد من دول العالم على اختلاف أنظمتها الاقتصادية ودرجة تطورها ، حتى بالنسبة لتلك الدول التي تعاني من ندرةٍ في مواردها المالية في اطار التطورات المعاصرة لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي ، والأثر الذي يمارسهُ هذا الدور في تشجيع الأنشطة الاستثمارية والشراكة مع القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية .
ونظرا للأهمية البالغة التي حظيّت بها صناديق الثروة السيادية ، فقد أصبحت محط اهتمام المؤسسات المالية والنقدية الدولية ، وكذلك الجهات المعنيّة بشؤون الاستثمارات ، ومنها ( المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية ) ( IFSWF ) الذي اتسع دورهُ في متابعة الأنشطة الاستثمارية لصناديق الثروة السيادية بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008 ، اذ عدّ هذه الصناديق تمثّل عامل استقرار للتخفيف من تداعيات الأزمات من خلال اتباع مجموعة من الأنماط الاستثمارية ، على المستوى المحلي والدولي ، من أجل تنمية الموارد وحفظها في أصولٍ من الموجودات ضمن محفظة استثمارية تسهم في تنويع مصادر الدخل والثروة وتعزيز مسارات التنمية والنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي للجيل الحاضر والأجيال القادمة .
ويقوم (معهد صناديق الثروة السيادية ) SWFI بمتابعة الأنشطة الاستثمارية التي تمارسها صناديق الثروة السيادية من خلال نشر التقارير الاحصائية المتعلقة بأصول واستثمارات هذه الصناديق . ويمكن أن نذكر أبرز أهداف صناديق الثروة السيادية من خلال النقاط التالية :
1. تمويل البرامج التنموية للدولة خارج نطاق الموازنة العامة من عوائد هذه الصناديق ، وتعزيز المساهمة في تطوير القاعدة الانتاجية وتنويع الاقتصاد الوطني .
2. التخفيف من حدة التأثيرات السلبية التي يمكن ان تنجم عن خروج رؤوس الأموال الأجنبية كاستثمارات طويلة الأجل من الأسواق المحلية .
3. مساندة السياسات المالية والنقدية للتكيف مع الصدمات الخارجية والداخلية خاصة ما يتعلق بارتفاع معدلات التضخم والبطالة ، وصدمات انخفاض اسعار النفط وتأثيراتها على الموازنة العامة .
4. استدامة الموارد وتنميتها في عمليات الاستثمار وحماية حقوق الأجيال الحالية والاجيال القادمة .
5. إيجاد بدائل تنموية تتماشي من التحوّل الأخضر لمواجهة التغيرات المناخية مثل الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة ، ومشاريع تطوير الذكاء الاصطناعي ، والمشاريع البتروكيمياوية.
ثانيا : نشأة صناديق الثروة السيادية وتطورها في العالم :
ان فكرة صناديق الثروة السيادية ليست بالفكرة الجديدة ، وانما يعود تاريخها الى عقد الخمسينيات من القرن الماضي ، وحتى الى ما قبل ذلك ، الا أن مصطلح ( صندوق الثروة السيادي ) لم ينتشر استخدامه الا بعد عام 2000 في ضوء اتساع انشاء هذه الصناديق في العديد من دول العالم على اختلاف درجة تطورها الاقتصادي وطبيعة أنظمتها الاقتصادية .
ان التطورات الاقتصادية العالمية ، مثلما أدت الى اتساع الدور الذي يمارسه القطاع الخاص في تحقيق هذه التطورات ، فانها تطلبت ايضا تعزيز الدور الاقتصادي للدولة ، ولاسيما في الأنشطة الداعمة لمسارات التنمية والتنويع الاقتصادي من منظور التكامل والتعاون بين القطاعين العام والخاص . وفي سياق ذلك فقد ارتفعت قيمة الاستثمارات العامة على الصعيد العالمي في صناديق الثروة السيادية من واحد ترليون دولار في عام 2000 الى ( 13 ) ترليون دولار عام 2024 ، كذلك ازدادت مساهمة البنوك المركزية في مجـال الاسـتـثـمار من ( 6.4 ) ترليون دولار الى ( 16.9 ) ترليون دولار للمدة نفسها .
واللافت أن نجد أقدم نموذج لصندوق ثروة سيادي على صعيد المنطقة العربية قد تم انشاؤه في الكويت عام 1953 تحت اسم ( الهيأة العامة للاستثمار ) . وتشهد دول العالم اليوم انتشارا واسعا لصناديق الثروة السيادية ، ويمكن اعطاء فكرة مختصرة عن أبرز عشرة صناديق سيادية في العالم وقيمة استثماراتها حتى عام 2024 من خلال النقاط التالية :
1. صندوق الثروة السيادي النرويجي بقيمة 1800 مليار دولار .
2. مؤسسة الاستثمار الصينية بقيمة 1332 مليار دولار .
3. ادارة الدولة للنقد الاجنبي في ابو ظبي بقيمة 1235 مليار دولار .
4. جهاز ابو ظبي للاستثمار بقيمة 1110 مليار دولار .
5. هيأة الاستثمار الكويتية بقيمة 969 مليار دولار .
6. صندوق الاستثمارات العامة السعودي بقيمة 925 مليار دولار .
7. تماسيك القابضة السنغافورية بقيمة 847 مليار دولار .
8. جهاز قطر للاستثمار بقيمة 510 مليار دولار .
9. مؤسسة دبي للاستثمارات العامة بقيمة 360 مليار دولار .
10. صندوق مبادلة للاستثمار الاماراتي بقيمة 330 مليار دولار .
ويٌعد صندوق الثروة السيادي النرويجي من أوائل صناديق الثروة السيادية في أوروبا ، اذ تم انشاؤه في عام 1996 كجهاز حكومي لأغراض الادخار والاستثمار بعد تزايد ايرادات النفط والغاز والرغبة في تطوير قطاع الاستثمارات وتعزيز نشاط التداولات في الأسواق المالية . وتشير بعض المصادر الى أن قيمة أصول الصندوق النرويجي أصبحت مماثلة في الحجم لقيمة الناتج المحلي الاجمالي لأستراليا التي يبلغ تعداد سكانها خمسة أضعاف سكان النرويج كما سبقت الصين الكثير من الدول الصناعية في انشاء صناديق للثروة السيادية ، منها الصناديق التابعة لشركات الاستثمار الحكومية ، (كمؤسسة الاستثمار الصينية) التي تأسس صندوقها عام 2007 وبلغت قيمة أصولها نحو (941) مليار دولا في عام 2019 ، وارتفعت الى ( 1332 ) مليار دولار في عام 2024 . وقد أصبحت صناديق الثروة السيادية النرويجية والصينية ، ركيزة أساسية من ركائز قوة الاقتصادين النرويجي والصيني وتعظيم الفوائض المالية ، في اطار اتباع آليات وأساليب للشراكة مع القطاع الخاص محليا وعالميا في مجالات الاستثمار المختلفة .
وعلى صعيد الدول النفطية الريعية ، فان معظمها قام بانشاء صناديق ثروة سيادية منذ وقت مبكر لتُشكّلَ مصّدرا مهما من مصادر تنويع الايرادات ودعم مسار التنويع الاقتصادي . ووفقا لمؤشرات ( معهد صناديق الثروة السيادية ) عام 2019 ، فقد تقدّم صندوق (جهاز ابو ظبي للاستثمار) الذي تأسس في عام 1976 قائمة صناديق الثروة السيادية في دول الخليج بقيمة أصول بلغت (697) مليار دولار ، تليه (هيّأة الاستثمار الكويتية) التي تأسست عام 1953، بقيمة أصول (592) مليار دولار ، كما أصبحت (مؤسسة النقد العربي السعودية ) التي تأسست في عام 1952 تمارس مهمات الصندوق السيادي في جانبٍ من وظائفها في ادارة الاحتياطيات الدولية ، ومن خلال (صندوق ساما القابضة ) التابع للبنك المركزي ، حيث بلغت قيمة أصول هذا الصندوق (516) مليار دولار ، وفقا لاحصاءات 2019 .
وشهد عام 2024 تطورا واضحا في الأنشطة الاستثمارية لصناديق الثروة السيادية لدول الخليج ، يتقدمها صندوق ادارة الدولة للنقد الأجنبي في ابو ظبي الذي ارتفعت قيمة أصوله الاستثمارية الى ( 1235 ) مليار دولار ، يليـه جهاز ابو ظبي للاستثمار بقيمة أصـول بـلـغت ( 1110 ) مليار دولار ، وهيأة الاستثمار الكويتية بقيمة ( 969 ) مليار دولار ، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي بقيمة ( 925 ) مليار دولار ، وكذلك جهاز قطر للاستثمار بقيمة ( 510 ) مليار دولار .
كما سعت مصر الى انشاء ( صندوق مصر السيادي ) في عام 2018 والذي تجاوزت قيمة أصوله ( 12 ) مليار دولار في عام 2024 ، ويٌعد هذا الصندوق في المرتبة ( 12 ) عربيا وفقا لبيانات معهد صناديق الثروة السيادية عام 2023 .
ان انشاء صندوق مصر السيادي يشير الى مسألة مهمة ، وهي أن صناديق الثروة السيادية لم تعد مقتصرة على البلدان التي لديها فوائض مالية ، وانما أصبحت ضرورة حتى بالنسبة للبلدان محدودة الايرادات والتي تعتمد بقدر أكبر على الدعم المالي من المؤسسات المالية الدولية ، وقد أصبح نجاح هذه الصناديق في أداء وظائفها يشكل أحد المعايير المهمة في تعزيز الجدارة الائتمانية لاقتصاد البلد لدى مؤسسات المال الدولية وأحد صمامات الأمان لتلبية احتياجات البلد الى القروض الخارجية .
وعلى الرغم من الاختلافات الموجودة بين التجارب الدولية المتعلقة بالوظائف التي يمكن أن تضطلع بها صناديق الثروة السيادية ، الاّ انّ هناك اتفاقاً في كون هذه الصناديق تؤدي دورا مهما في خدمة الاقتصاد الوطني في بلدانها ، ولاسيّما فيما يتعلق بمساهمتها في تنويع مصادر الدخل والثروة والحد من التأثيرات السلبية للأزمات المالية والاقتصادية . وقد تعددت أنواع الصناديق السيادية ، ويمكن تلخيص بعض أنواعها في النقاط التالية :
1.صناديق الادخار طويلة الأجل : لجأت معظم الدول النفطية الى انشاء مثل هذه الصناديق ، التي تهدف الى حفظ جزء من الثروات القابلة للنضوب التدريجي الى أصول متجددة تساعد على توليد ايرادات مالية مستدامة في الحاضر والمستقبل عن طريق استثمار الموارد في محفظة استثمارية متعددة المجالات .
2.صناديق المعاشات التقاعدية : يتشابه هذا النوع من الصناديق مع صناديق الادخار من حيث كونها تسهم في استثمار جزء من الثروات القابلة للنضوب وتحويلها الى موارد مالية مستدامة ، الاّ انها تكون متخصصة في مجال الوفاء بالتزامات الدولة المستقبلية المتعلقة بالمعاشات التقاعدية ، وتعمل من أجل التخفيف من الأعباء المالية عن كاهل الموازنة العامة التي تتطلبها عملية الالتزام بدفع الرواتب التقاعدية وتمويل الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة لفئة المتقاعدين . ومع وجود مثل هذا التخصص، الاّ انّ هذا النوع من الصناديق قد تحوّل الى مصدرٍ مهم من مصادر تنويع الايرادات وتنمية الثروات للاقتصاد الوطني عموما ، كما في نموذج صندوق التقاعد النرويجي .
3.صناديق الاستقرار : تمثل صناديق الاستقرار وسيلة مهمة للتخفيف من أثر صدمات انخفاض أسعار النفط وتمكين الدولة من الاستمرار في تلبية متطلبات النفقات العامة ، ولاسيّما النفقات الضرورية ، من خلال الدعم المالي الذي توفّره هذه الصناديق للموازنة العامة ، كذلك يسهم هذا النوع من الصناديق في الحفاظ على استقرار مناسب للاقتصاد الكلي في الدول الصناعية من تداعيات الأزمات المالية والاقتصادية .
4.صناديق التنمية : يتمثّل الهدف الأساس لهذه الصناديق التوجّه نحو الاستثمار في مشاريع التنمية المحلية في القطاعات الصناعية والزراعية ومشاريع الخدمات والبنى التحتية وتطوير النشاط السياحي . ويمكن أن تشكّل هذه الصناديق ركيزة أساسية للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص في تنفيذ العديد من المشاريع الاستثمارية على الصعيدين المحلي والخارجي ، ولاسيّما فيما يتعلق بمساهمة القطاع الخاص في مشاريع الاعمار والشراكة مع الدولة في تطوير الأنشطة الانتاجية بهدف زيادة مساهمة الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الاجمالي وتنويع مصادر الدخل والثروة .
ثالثا : متطلبات عمل صناديق الثروة السيادية :
لقد حرصّت المؤسسات المالية والجهات الدولية المعنيّة بشؤون صناديق الثروة السيادية على وضع اطار مبادئ لعمل هذه الصناديق من خلال انشاء ( المنتدى الدولي لصناديق الثروة السيادية ) الذي أسهم في وضع ما يعرف ( مبادئ سانتياغو ) ومطالبة الدول التي تمتلك هذه الصناديق بضرورة الالتزام بتطبيق هذه المبادئ باعتبارها تمثّل جزءا أساسيا من معايير الشفافية الدولية والالتزام بتطبيق توصيات المؤسسات الدولية المتعلقة بسياسات الاصلاح المالي والاقتصادي . ومن أبرز التوصيات الازمة لعمل صناديق الثروة السيادية نذكر ما يلي :
1. وجود هيكل حوكمة رشيد وشفاف لإدارة الاستثمارات في صناديق الثروة السيادية وفقا للمعايير والضوابط التي تعمل بموجبها هذه الصناديق في اطار توصيات المعاهد والمنتديات الدولية ذات الاهتمام بعمل هذه الصناديق ، ويكون على الدول التي تمتلك هذه الصناديق الالتزام بتطبيق هذه الضوابط لضمان نزاهة الاستثمارات وترصين الجدارة الاستثمارية .
2. توفير المتطلبات القانونية والتشريعية ومتطلبات الافصاح عن آليات وأساليب الاستثمار في صناديق الثروة السيادية وتنظيم علاقتها مع المؤسسات المالية والنقدية الأخرى .
3.التأكد من انّ الصناديق السيادية تستثمر وفقا للاعتبارات والمعايير الاقتصادية ، مع مراعاة التوازن بين حجم المخاطر والعوائد المالية التي تحققها هذه الصناديق من عمليات الاستثمار.
أما فيما يتعلق (بمبادئ سانتياغو) ، فانّها تضم (24) مبدأً ً، جميعها تُؤكد على معايير الشفافية والادارة المهنية للاستثمارات ، ووضع ثروات هذه الصناديق وعوائدها في خدمة عملية التنمية الاقتصادية واستدامة الموارد والارتقاء برفاهية المجتمع . وبذلك فقد أصبحت الجدارة الاستثمارية لهذه الصناديق وسمعتها العالمية مرتبطة بمدى التزام البلد الذي يمتلكها بمبادئ سانتياغو ضمن التصنيف الدولي للصناديق السيادية في العالم .
رابعا : أهمية انشاء صندوق ثروة سيادي للاقتصاد العراقي :
انّ البحث في موضوع صناديق الثروة السيادية ، من شأنه أن يوضّح ، لماذا لم تتأثر اقتصادات الدول التي تمتلك مثل هذه الصناديق بالأزمات المالية وصدمات انخفاض أسعار النفط مثلما تأثر ويتأثر بها الاقتصاد العراقي الذي يُعد الثاني في الاحتياطيات النفطية وانتاج النفط في المنطقة ، فسلعة النفط ما تزال تشكل نحو 60% من الناتج المحلي الاجمالي ، وفي حدود 99% من قيمة الصادرات وما يزيد عن 90% من ايرادات الموازنة العامة ، في ظل المساهمة الضئيلة للصناعة التحويلية والقطاع الزراعي في الناتج المحلي الاجمالي ، بما يقرب من 2% و5% على التوالي .
ان الاقتصاد العراقي في أمس الحاجة الى دفعة قوية في مجال الاستثمارات ، ومن ثم ينبغي تفعيل دور الاستثمارات العامة الى جانب الاستثمارات الخاصة من أجل المساهمة في دعم الأنشطة الاستثمارية ، وان انشاء صندوق سيادي للاقتصاد العراقي يمكن أن يمارس دورا مهما في هذا المجال على غرار صناديق الثروة السيادية الموجودة في دول المنطقة والعالم .
لقد بلغ اجمالي الايرادات الفعلية لمجموع موازنات العراق ما يقرب من (1850) ترليون دينار خلال المدة 2004 – 2024 ، وهو ما يعادل نحو (1400) مليار دولار على أساس متوسط سعر صرف تقديري ( 132 ) دينار للدولار الواحد للمدة المذكورة .
ان من الخصائص التي اتسـمّت بها موازنات العراق السنوية ، انّها غالبا ما تبدأ بعجزٍ وتنتهي بفائض في نهاية مدة التنفيذ ، ما عدا بعض السنوات القليلة التي تحقق فيها عجز فعلي . وعلى الرغم من ذلك لم تتمكن السياسة الاقتصادية في العراق من تفعيل دور هذه الموازنات في عملية التنمية الاقتصادية وتطوير البنى التحتية والخدمات الاجتماعية بما يتناسب مع هذا الحجم الكبير من التخصيصات المالية التي تضمنتها الموازنات السنوية للدولة ، في ظل غياب الدور الذي يمكن أن تلعبه صناديق الثروة السيادية لحماية الموارد المالية واستثمارها في مشاريع التنمية والتنويع الاقتصادي أسوة بتجارب العديد من الدول الأخرى .
فلم يُشكّل العائق المالي سبباً أساسياً في عدم انشاء صناديق للثروة السيادية في العراق ، وانّما العامل الأهم في هذا المجال هو سـوء الادارة للموارد النفطية التي أسهمت في تضخيم التخصيصات المالية في الموازنات السنوية للدولة ، مع تدنّي مستوى المنجزات من المشاريع التنموية والخدمات الاجتماعية . ولذلك فانّ العبرة ليست في امتلاك الدولة لمؤسسات استثمارية وصناديق للثروة السيادية ، وانّما في الآليات والأساليب التي تتبع في ادارة هذه المؤسسات ، ومستوى النزاهة والشفافية التي تعمل بموجبها كمؤسسات مهنية مسـتقلة في قراراتها الاستثمارية .
ان عدم تمكن مراكز القرار الاقتصادي من انشاء صندوق ثروة سيادي للاقتصاد العراقي وفق المعايير الدولية ، انما يفصح عن جانب آخر من جوانب الخلل الذي يعاني منه قطاع الاستثمار في الاقتصاد العراقي ، سواء ما يتعلق بأنشطة الاستثمارات الحكومية ومرتكزاتها المتمثلة في الموازنة الاستثمارية والنشاط الاستثماري للبنك المركزي ، وكذلك حالة الاستثمار لصندوق التقاعد العامة ، فقد انعكس الدور المحدود لأنشطة الاستثمارات العامة على واقع قطاع الاستثمار في عموم الاقتصاد في ظل حالة الأنشطة الاستثمارية للقطاع الخاص وضعف مساهمتها في القطاعات السلعية الانتاجية ، ولاسيما الصناعات التحويلية ، وتركز استثماراتها في النشاط الاستيرادي للسلع والمواد وعمليات البيع والتوزيع للمنتجات الجاهزة المستوردة .
انّ بلوغ مستوى مناسب من الكفاءة والفعالية في اصلاح عملية ادارة موارد النفط في العراق ، وتوفير بيئة مناسبة لأنشاء وعمل صناديق ثروة سيادية ، ينبغي أن يكون في اطار سياسات حكومية لدعم قطاع الاستثمار في الاقتصاد الكلي تقوم على أساس توزيع موارد النفط بين الانفاق الجاري والانفاق الاستثماري الداعم لعملية تنويع الاقتصاد وايرادات الدولة المالية ، والتي يكون احدى مرتكزاتها انشاء صناديق ثروة سيادية ، ويتطلب ذلك من جملة ما يتطلب ، مراعاة الاعتبارات التالية :
1. مدى قدرة الدولة على ضبط النفقات الحكومية التشغيلية الجارية في نطاق الاصلاحات الاقتصادية والادارية بغية التخلص من أعباء النفقات الزائدة ، وتلك التي يمكن تقليصها واعادة هيكلتها على وفق الاحتياجات الضرورية ومعايير الانتاجية ، وتجاوز حالات الهدر والتبذير في هذا الجانب من النفقات التشغيلية الجارية الذي يشكل في حدود 70% من اجمالي النفقات .
2. مدى القدرة على توفير الظروف والبيئة الملائمة للأنشطة الاستثمارية ، والالتزام بمعايير الشفافية والادارة الرشيدة للموارد المالية والعمليات الاستثمارية وفق احتياجات التنمية الاقتصادية في التنويع الاقتصادي والمالي ، ويتطلب ذلك اصلاحات على مستوى البيئة الاستثمارية للاقتصاد العراقي وادارة وتخصيص الموارد واصلاح اساليب وأليات عقود الاستثمارات الحكومية واحالة المشاريع للجهات التنفيذية ، اذ تعد عملية اصلاح البيئة الاستثمارية احدى متطلبات انشاء وعمل صناديق الثروة السيادية باعتبارها تمثل جزءا من الأنشطة الاستثمارية الحكومية .
3. اصلاح أساليب وأنماط الاستثمار ، حيث أن الولوج في مشاريع استثمارية فاشلة ومتلكئة يسودها الفسـاد هو أشـدُ وقعاً وتأثيراً على الاقتصاد الوطني ، وذلك لتأثيراتها السلبية الكبيرة والمباشرة على بناء وتطوير رؤوس الأموال الوطنية الجديدة ، فضلا عن تقويض دور الدولة في عملية التنمية وتطوير البنى التحتية والخدمات الاجتماعية .
4. ان مهمة اصلاح قطاع الاستثمارات في الاقتصاد العراقي ينبغي أن تحظى بأولوية ، ويمكن أن تلعب الاستثمارات الحكومية دورا مهما في تحفيز الاستثمارات الخاصة وجذبها نحو الاستثمار في المشاريع السلعية المعوضة عن الكثير من السلع والمواد المستوردة في اطار ما تقدمه الدولة من حوافز لهذه المشاريع والشراكة مع القطاع الخاص في تحمل المخاطر والتحوّل التدريجي من الاعتماد على السلع والمواد المستوردة الى تمكين الاستثمارات المحلية ، العامة والخاصة ، من الشراكة والتعاون في تفعيل مسار تنموي لبناء قاعدة انتاجية وطنية قادرة على توفير الكثير من السلع والمواد التي تستورد والمساهمة في تطوير مشاريع الخدمات والبنى التحتية.
5. وبقدر ما يٌعد انشاء صندوق ثروة سيادي للاقتصاد العراقي أمرا ضروريا ، الا أنه ينبغي أن يكون ضمن سياسات لتنفيذ اصلاحات اقتصادية ومالية حقيقية ، كما يتطلب توفير اطار قانوني يعمل بموجبه الصندوق وايجاد اطار مؤسسي مستقل لادارة عمل الصندوق وأنشطته الاستثمارية ، فضلا عن تنظيم العلاقة بينه وبين أجهزة الاستثمار الحكومية الأخرى ، كالموازنة العامة والبنك المركزي وصندوق التقاعد العامة ، بما يسهم في تفعيل دور الاستثمارات العامة والخاصة في التنمية والتنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط ، في اطار ضوابط الالتزام بمعايير الشفافية والمهنية والاستفادة من التجارب الاقليمية والدولية في هذا المجال .
الهوامش
١/مها الريس | صناديق الثروة السيادية في 2024 مقال منشور على الرابط: https://cnnbusinessarabic.com/economy/956632
٢/(الأكبر في العالم.. قيمة صندوق الثروة النرويجي تقفز إلى 1.8 تريليون دولار) مقال منشور على الرابط: https://www.alarabiya.net/aswaq/companies/2024/12/07
٣/ ايمن سليمان مقال منشور على الرابط: https://www.youm7.com/story/2021/4/20
٤/ وزارة المالية العراقية | دائرة المحاسبة | حساب تنفيذ الموازنات السنوية | سنوات متعددة .




