
الاتفاق النفطي بين بغداد وإقليم كردستان خطوة لتطوير الواقع الاقتصادي وتشجيع الاستثمار
أ.م.د. فراس حسين علي الصفار
قسم إدارة الأزمات
جامعة كربلاء/ مركز الدراسات الاستراتيجية
تشرين الأول/ 2025
يعدُّ ملف النفط، والثروات الطبيعية، من الموضوعات المثيرة، والشائكة، بين بغداد، وإقليم كردستان، فمنذ إقرار الدستور العراقي عام (2005)، ما زال هذا الملف موضع جدل مستمر، بسبب عدم إقرار قانون النفط، والغاز. ويكمن الاختلاف في تفسير بنود الدستور، إذ تنصُّ المادة (111) على أنَّ: “النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي، في كل الأقاليم، والمحافظات”. في حين تفوض المادة (112)، “الحكومة الاتحادية بإدارة النفط، والغاز، المستخرج من الحقول الحالية، مع حكومات الأقاليم، والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف، يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد. كما فوضتها “وضع السياسات الاستراتيجية لتطوير الثروة النفطية، والغازية”. تلزم الحكومة الاتحادية الإقليم، بتصدير النفط عن طريق شركة تسويق النفط العراقية (سومو) فقط، في حين يصرّ الإقليم على أنَّ الحقول الجديدة، والمكتشفة، يتم التعاقد بشكل مباشر مع الشركات الأجنبية، وإدارة جزء من الإيرادات بشكل مستقل.
من جانب آخر، قامت الشركات النفطية الأجنبية، بدور أساسي في تعقيد المشهد. فمنذ عام (2007) وقّعت حكومة الإقليم عقوداً مع عشرات الشركات العالمية، وفق نظام المشاركة بالإنتاج، وهو ما منح هذه الشركات حوافز كبيرة، وجعلها تطالب الآن بضمانات لتسديد مستحقاتها المتراكمة. ومع توقف تصدير النفط، عبر خط الأنابيب العراقي–التركي إلى ميناء جيهان، في مارس/ آذار (2023)، جُمّد عمليًا عمل هذه الشركات، وتراجعت ثقة المستثمرين بالقطاع النفطي في الإقليم. تجاوزت الأزمة حدود العراق الداخلية، لتأخذ أبعادًا إقليمية، ودولية. فتركيا التي يمرُّ خط الأنابيب إلى ميناء جيهان عبر أراضيها، أوقفت الضخ بعد صدور حكم تحكيمي دولي لصالح بغداد، ما زاد الضغط على أربيل. أمَّا الولايات المتحدة، فحاولت دفع الطرفين إلى تسوية سريعة، حفاظاً على استقرار الإقليم، الذي يمثل شريكًا استراتيجيًا لها.
وحدثت الأزمة الأخيرة بين الحكومة الاتحادية، والإقليم، بعد عجز مجلس النواب عن تمرير المادة (12)، ضمن تعديلات قانون الموازنة الاتحادية، المتعلقة بمستحقات تلك الشركات، وما تلاها من حرب البيانات، والاتهامات المتبادلة، لتفجر خلافًا قديمًا متجددًا بين الحكومة المركزية في بغداد، وحكومة أربيل. وكانت المادة (12) في الموازنة الثلاثية، التي صوّت عليها مجلس النواب، في (12) يونيو/ حزيران عام (2023)، تنصُّ على: منح الشركات النفطية العاملة في إقليم كردستان، (6) دولارات عن كل برميل مستخرج، وهو ما تمَّ رفضه حينها، من قبل الشركات الأجنبية العاملة في الإقليم. وترى تلك الشركات أنَّ احتساب كلف إنتاج متساوية، لبرميل النفط في الإقليم، وبرميل النفط في جنوب العراق، أمر غير ممكن لاسيَّما أنَّ حقول النفط في كردستان العراق، تقع في مناطق صعبة، وجبلية، وكلفة الإنتاج فيها أكثر من كلفة الإنتاج في الجنوب.
وأرسلت الحكومة الاتحادية في (5) نوفمبر/ تشرين الثاني من عام (2024)، مقترحًا لتعديل المادة (12/ ثانيا/ ج) من قانون الموازنة الثلاثية، تضمنت الآتي:
• تعويض وزارة المالية لحكومة الإقليم، من النفقات السيادية عن كلف الإنتاج، والنقل، عن كميات النفط المنتجة في الإقليم، التي يتم تسلّمها من قبل شركة تسويق النفط (سومو)، أو وزارة النفط الاتحادية.
• يتم احتساب الكلف التخمينية العادلة للإنتاج، والنقل، من جهة استشارية فنية دولية متخصصة، خلال (60) يومًا من نفاذ هذا القانون، وفي حالة عدم الاتفاق خلال المدة المذكورة، يحدد مجلس الوزراء الاتحادي الجهة الاستشارية المشار إليها.
• يقدم الاستشاري، كلفة الإنتاج، والنقل المخمنة، إلى وزارتي النفط، والمالية، الاتحاديتين، وحكومة إقليم كردستان العراق، وتتولى وزارة المالية الاتحادية دفع المبالغ لحكومة الإقليم.
• المباشرة فورًا بتسليم النفط المنتج في الإقليم، إلى شركة تسويق النفط (سومو)، أو وزارة النفط الاتحادية، ويتم تعويض كلف الإنتاج، والنقل، من قبل وزارة المالية الاتحادية كسلف، بمعدل (16) دولارا للبرميل.
هذا الخلاف سرعان ما انعكس في الجانب المالي، وتحديدًا في قضية رواتب موظفي الإقليم، التي تُقدر بمليارات الدولارات سنويًا. فقد استخدمت الحكومة الاتحادية هذا الملف أداة ضغط، ملوّحة بوقف التحويلات المالية، في حال لم تلتزم أربيل بتسليم النفط. وفي المقابل، حمّلت حكومة الإقليم بغداد مسؤولية تأخر الرواتب، معتبرة أنَّ المركز لا يفي بتعهداته في الموازنة.
بعدها جرت محاولات عديدة لإيجاد حلول وسط، منها اتفاقات مؤقتة لتمويل الرواتب، مقابل تصدير كميات محددة من النفط، أو تضمين حصة الإقليم في الموازنة العامة، مقابل رقابة اتحادية مشددة. واليوم، تتجه الأنظار إلى الإيرادات غير النفطية، كخيار بديل يمكن أن يخفف من حدة الأزمة، عبر تقاسم عائدات الضرائب، والرسوم الجمركية، بين بغداد، وأربيل، بما يضمن موردًا ماليًا مستقرًا نسبيًا. غالباً ما كان الإقليم يتنصل من تنفيذ الاتفاقات، التي توقع بين الحكومة الاتحادية، والإقليم، لعدة أسباب، ومن ثم ينهار الاتفاق، إلا أنَّ هذا الاتفاق الأخير جاء لعوامل عدة، أبرزها عدم قدرة الإقليم على تسديد رواتب موظفي الإقليم، فضلاً عن عدم قدرتها على تسديد مستحقات الشركات النفطية الأجنبية، وتوقف تصدير النفط عبر ميناه جيهان التركي.
الاتفاق الجديد
أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في (25) أيلول (2025)، التوصل إلى اتفاق تاريخي لتصدير نفط حقول إقليم كردستان، عبر الأنبوب العراقي – التركي. وقال رئيس الوزراء في تدوينة على منصة (إكس): “توصلنا اليوم إلى اتفاق تاريخي، تتسلم بموجبه وزارة النفط الاتحادية، النفط الخام المنتج من الحقول الواقعة في إقليم كردستان، وتقوم بتصديره عبر الأنبوب العراقي التركي”. وأضاف: أنَّ “ذلك يضمن التوزيع العادل للثروة، وتنويع منافذ التصدير، وتشجيع الاستثمار، وهو إنجاز انتظرناه (18) عامًا”.
إنَّ “الآليات الفنية، والقانونية، للاتفاق الحالي شديدة التعقيد، إذ تعكس التوازن بين مصالح متنافسة دستورية، وتاريخية، وسياسية، وتجارية، بل وجيوسياسية أيضا”. ويلزم الاتفاق حكومة إقليم كردستان، بتسليم ما لا يقل عن (230) ألف برميل نفط يوميًا، إلى وزارة النفط الاتحادية، مع السماح لها بالاحتفاظ بخمسين ألف برميل يوميًا للاستخدام المحلي. وقد قبلت الحكومة العراقية التعويض العيني، من شركات النفط العاملة في إقليم كردستان، وتتحمل رسوم عبور خط الأنابيب، ووافقت على التحكيم الدولي، مع التنازل عن الحصانة السيادية. من جانبها، تخلت أربيل عن مطالبتها بتصدير النفط، وقلّصت من تسويقها المستقل، وسيُرفع النفط المنتج من حقول الإقليم، على أنَّه “نفط كركوك الخام، وليس نفطًا كرديًا”. أمَّا شركات النفط الدولية فقد حصلت على ضمانات، لمدفوعات تكاليف الإنتاج، والنقل، على أن تُقيّم تكاليف الإنتاج لاحقًا، من قبل شركة استشارات دولية متعاقدة مع وزارة النفط.
وصرَّح وزير الكهرباء، والثروات الطبيعية، في الإقليم (كمال محمد): أنَّ “عملية استئناف تصدير النفط من إقليم كوردستان، تعود بتأثيرات إيجابية كبيرة مادية، ومعنوية، للطرفين في أربيل، وبغداد”، مبينًا أنَّ “الإقليم ينتج حالياً (250) ألف برميل نفط يوميًا، وقد تمَّ تصدير قرابة مليونين وتسعمائة وخمسة وأربعين ألف برميل نفط، خلال (15) يومًا، إلى بندر جيهان التركي، والعملية تسير بشكل جيد”.
وأوضح الوزير أنَّ الاتفاق بين أربيل، وبغداد، بشأن النفط، لم يبرم لثلاثة شهور، لكن استناداً إلى قانون الموازنة الثلاثية، يستمر العمل بها حتى نهاية (2025)، وقد تتأخر المصادقة على موازنة عام (2026)، ويتوقع العمل بقاعدة 1/12 في صرف النفقات، مؤكداً أنَّ “الاتفاق حول النفط سيستمر، طالما تلتزم الأطراف الثلاثة ببنود الاتفاق”.
سياسيًا، يُنظر إلى الاتفاق على أنَّه محاولة لتهدئة الأجواء بين الطرفين، لاسيَّما في ظل اقتراب الانتخابات البرلمانية، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز صورته أمام ناخبيه. كما أنَّ الاتفاق يعكس رغبة مشتركة في تجنب التصعيد، خاصة بعد أن شهدت العلاقات في السنوات الماضية، توترات وصلت إلى حد المواجهة العسكرية المحدودة، في بعض المناطق المتنازع عليها.
اقتصاديًا، يوفر الاتفاق فرصة لإعادة تنظيم سوق النفط العراقي، وتحسين سمعة البلاد أمام المستثمرين الدوليين، الذين لطالما اشتكوا من غياب الشفافية، وتعدد مراكز القرار، كما أنَّه يسهم في تعزيز الإيرادات العامة، وتقليل الاعتماد على القروض الخارجية، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة، في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة. لكن على الرغم من هذه الإيجابيات، لا يخلو الاتفاق من نقاط ضعف، فغياب آلية واضحة، ودائمة، لحل النزاعات المستقبلية، وعدم تحديد سقف زمني لتنفيذ البنود، يثيران مخاوف من أن يكون الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة. كما أنَّ استمرار الخلافات حول المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك، قد يعيد إشعال التوترات في أي لحظة.
الاتفاق النفطي بين بغداد، وأربيل، يمثل خطوة مهمة نحو بناء الثقة، لكنَّه لا يغني عن الحاجة إلى حوار سياسي شامل، يعالج جذور الخلاف، ويضع إطارًا دستوريًا واضحًا لتقاسم الثروات، فالعراق بكل مكوناته بحاجة إلى رؤية وطنية مشتركة، تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين المركز، والإقليم، قائمة على التعاون لا التنافس. إنَّ مستقبل العلاقة بين بغداد، وأربيل، لا يمكن أن يُبنى على اتفاقات مؤقتة، بل يحتاج إلى حوار سياسي شامل، يعيد تعريف مفهوم الشراكة الوطنية، ويضع أسسًا دستورية واضحة لتقاسم السلطة، والثروة. فالعراق بكل مكوناته، بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يُنهي منطق الصراع، ويؤسس لمنطق التعاون.
الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أربيل تقترب من اتفاق مع بغداد لتقاسم الإيرادات غير النفطية)، مقال منشور على الرابط: https://drawmedia.net/ar/page_detail?smart-id=17403
(وقودها النفط.. أزمة بين بغداد وأربيل تلوح بالأفق)، مقال منشور على الرابط : https://www.aljazeera.net/ebusiness/2025/1/30
(النفط: الاتفاق مع إقليم كردستان وضع آليات فنية وتنظيمية واضحة تضمن انسيابية التصدير)، مقال منشور على الرابط : https://ina.iq/ar/economie/244237-.html
(اتفاق النفط بين بغداد وأربيل.. تفاهم استراتيجي أم تسوية ظرفية)، مقال منشور على الرابط : https://www.alestiklal.net/ar/article/atfaq-bghdad-arbyl-llnft-khtwh-nhw-tswyh-daemh-am-mjrd-hl-muqt
(وزير الثروات الطبيعية في كوردستان: الإقليم صدّر نحو (3) ملايين برميل نفط إلى ميناء جيهان)، مقال منشور على الرابط : https://drawmedia.net/ar/page_detail?smart-id=17578
(الاتفاق النفطي بين بغداد وأربيل خطوة نحو الاستقرار أم تسوية مؤقتة؟)، مقال على الرابط: https://www.kurdistan24.net/ar/opinion/867492




