
أ.م.د. حمد جاسم محمد
باحث في مركز إدارة الأزمات/ مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء
تشرين الأول/ 2025
بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، في (29) أيلول (2025)، خطته للسلام في غزة، والتي ضمَّت عشرين نقطة، أهمها: وقف فوري لإطلاق النار بين حماس، وإسرائيل، ووضع خطط شاملة لإعادة الإعمار، وتنظيم إدارة القطاع، والوضع الأمني فيه، ونزع سلاح المقاومة لمنع قيام أي تهديد لإسرائيل، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى نقاط متفق عليها، من أجل إطلاق سراح كل الأسرى الإسرائيليين الأحياء، والأموات، مقابل إطلاق عدد يتفق عليه من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، منح أعضاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الذين يلتزمون بالتعايش السلمي، والتخلي عن أسلحتهم، عفوًا عامًا، أمَّا من يرغب منهم في مغادرة غزة، فسيوفر لهم ممرات آمنة، وإرسال المساعدات بشكل فوري إلى قطاع غزة، عبر معبر رفح، وتوزع عن طريق الأمم المتحدة، ووكالاتها، والهلال الأحمر، فضلًا عن مؤسسات دولية أخرى، ليست مرتبطة بأي شكل من الأشكال بأحد الطرفين، وتأهيل البنية التحتية من المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، والمستشفيات، والمخابز، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة الركام، وفتح الطرق، وإدارة غزة عبر حكومة انتقالية مؤقتة، تتكون من لجنة تكنوقراط فلسطينية غير سياسية، وسيقود الهيئة، ويترأس اجتماعاتها الرسمية الرئيس ترامب، مع أعضاء، ورؤساء دول آخرين، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (توني بلير)، يسمح للسكان الذين يرغبون بالخروج من غزة، والعودة إليها، أخذ ضمان من شركاء إقليميين، لضمان التزام حماس، والفصائل الأخرى، بعدم تهديد أمن إسرائيل، وتطوير قوة استقرار دولية مؤقتة، لنشرها فورًا في غزة، توفر الظروف لمسار ذي مصداقية، نحو تقرير المصير الفلسطيني، وإقامة الدولة، وهو ما يعترف به طموحًا للشعب الفلسطيني. وقد وافقت حركة حماس، وإسرائيل، على هذه المبادرة بشكل إيجابي، وسط ترحيب دولي. عقد عدد من الاجتماعات، والمحادثات، والتي جرت في مدينة شرم الشيخ المصرية، وقد شارك في الوساطة، والمحادثات، كل من مصر، وقطر، والولايات المتحدة، ومتابعة من الأمم المتحدة، ودول إقليمية أخرى، وتوصل الأطراف إلى اتفاق، وقع في مدينة شرم الشيخ، لوقف إطلاق النار بين حماس، والكيان الإسرائيلي، في (9) تشرين الأول (2025)، وحضر التوقيع عدد من دول العالم الأخرى، وهي (الأردن، وقطر، والكويت، والبحرين، وتركيا، وإندونيسيا، وأذربيجان، وفرنسا، وقبرص، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وإسبانيا، واليونان، وأرمينيا، والمجر، وباكستان، وكندا، والنرويج، والعراق، والإمارات، وسلطنة عمان، والسعودية، واليابان، وهولندا، وبارجواي، والهند). وقد شملت الخطة العلنية عدة بنود، بعضها من خطة الرئيس الأمريكي (ترامب) السابقة، وبعضها تمَّ تعديلها أو إضافة بنود جديدة، وأبرز ما جاء فيها، هو بعد انسحاب إسرائيل التدريجي من محيط غزة، تقدم حركة حماس معلومات عن الأسرى الإسرائيليين، وفي يوم الأحد (12) تشرين الأول، حتى الساعة (6) صباحًا من اليوم التالي، تسلم حركة حماس جميع الأسرى الأحياء الموجودين في قطاع غزة، وعددهم (20) عبر معبر عوفر، مقابل إفراج إسرائيل عن نحو ألفي أسير فلسطيني، منهم (250) محكومين بالمؤبد، و(1700) اعتقلوا منذ بدء الحرب على القطاع عام (2023)، وبعد (6) أيام تسلم حركة حماس رفات نحو (28) إسرائيليًا في غزة، بالمقابل تقديم إسرائيل جميع المعلومات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين لديها، وأن يقوم الوسطاء، والصليب الأحمر الدولي، بآلية تبادل المعلومات عن الأسرى بين حماس، وإسرائيل، على أن تتم عمليات التبادل من دون أي مظاهر احتفالية. وفيما يخص المساعدات الإنسانية، فبعد وقف إطلاق النار، تدخل المساعدات الإنسانية فورًا، وعبر (5) معابر، هي ( كرم أبو سالم جنوب القطاع، وكيسوفيم وسطه، وكارني، ومفلاسيم، وإيرز، شرق مدينة غزة)، وتشمل مساعدات، وبضائع، للقطاع الخاص بدخول ما لا يقل عن (600) شاحنة يوميًا إلى قطاع غزة، فضلًا عن (50) شاحنة وقود، وغاز، على أن يصل اسبوعيًا إلى (4200) شاحنة، ويتم التسليم عن طريق وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الأخرى، المساعدات الإنسانية، وتُشكل غرفة عمليات للمتابعة، تضم جمهورية مصر العربية، ودولة قطر، والجمهورية التركية، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وحركة حماس. وفي مجال الانسحاب، يبدأ بشكل تدريجي للجيش الإسرائيلي من محيط غزة، فور الموافقة على الاتفاق، ويستغرق نحو الخط الفاصل المتفق عليه، أقل من (24) ساعة، بعد موافقة إسرائيل على الاتفاق، وينسحب الجيش الإسرائيلي من مدينة غزة، والشمال، ورفح، وخان يونس، وفقا للبنود، وتبدأ عودة النازحين من جنوب القطاع، إلى مدينة غزة، وشماله، فور بدء تنفيذ الاتفاق، وقد رحبت أغلب دول العالم بهذا الاتفاق.
إنَّ الأسباب المعلنة للاتفاق، وبحسب أغلب الأطراف، هي وقف الحرب في غزة، ومنع ارتكاب مجازر جديدة ضد السكان، كذلك حلّ الفصائل الفلسطينية المسلحة، لمنع أي تهديد للكيان الاسرائيلي، وإقرار السلام في المنطقة، وبناء علاقات، وسلام دائم، بين دول المنطقة. إلا أنَّ الأسباب الحقيقية هي فشل الكيان الاسرائيلي، وكل الدعم الأمريكي العسكري، والاستخباراتي، في إحراز أي تقدم، وفرض السيطرة الكاملة على غزة، كذلك الفشل الكبير في معرفة أماكن الأسرى أو تحريرهم، فضلًا عن ارتكاب الكيان الإسرائيلي، مجازر كبيرة ضد السكان المدنيين، والتي هزت العالم، وأجبرت العديد من الحكومات، التي كانت توصف بأنَّها إلى جانب إسرائيل، بتوجيه النقد العلني لسياسات حكومة (نتنياهو) في المنطقة، ومن ثم أقدم عدد من دول العالم، وأغلبها دول غربية مهمة، مثل السويد (2014)، والنرويج، وإيرلندا، وإسبانيا، وسلوفينيا، وفرنسا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ، ومالطا، وأندورا، وموناكو، والبرتغال، وبريطانيا، كذلك إصدار المحكمة الجنائية الدولية، في (21) تشرين الثاني (2024)، مذكرات توقيف بحق شخصيات إسرائيلية، منهم رئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو)، ووزير الدفاع (يوآف غالانت)، وهي سابقة لم تحدث سابقا، ووقف عدد من دول العالم تصدير السلاح، أو التعاون التجاري مع إسرائيل، والوضع الداخلي المتأزم، كما أنَّ سمعة الولايات المتحدة الأمريكية، وإدارة الرئيس (ترامب)، أصبحت على المحك، بسبب دعمها لإسرائيل في ارتكاب المجازر في غزة، يضاف إليه الخسائر الإسرائيلية العسكرية الكبيرة، ودخولها في مستنقع غزة بدون أي أفق لمستقبل الحرب، هذه الأسباب قد تكون الأسباب الأكثر واقعية لوقف حرب غزة.
وعلى الرغم من أنَّ حرب غزة قد استمرت لمدة عامين، وقد أثقلت كاهل الحكومتين الإسرائيلية، والأمريكية، وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي (ترامب)، عن مبادرته لوقف الحرب، والتي هلل لها، وعلى الرغم من مساندة عدد من دول المنطقة لقمة شرم الشيخ، والدعوة لقبول بنودها، إلا أنَّ هذا الاتفاق يمكن تلخيصه بعدة محاور، وهي:
1- إنَّ هذا الاتفاق قد اختزل القضية الفلسطينية برمتها بأحداث غزة، وتجاهل تماما الحقوق المشروعة، وحسب القانون الدولي للشعب الفلسطيني، في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية (في الأقل حسب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (242) لعام (1967)، أو مبادرة القمة العربية عام (2002) للسلام)، وهي إقامة دولة فلسطينية على الضفة، وغزة، والقدس الشرقية، حتى أنَّ الرئيس الأمريكي (ترامب)، امتنع عن أي حديث عن دولة فلسطينية أو أي حديث عن حلّ الدولتين، وعندما سُئل عن ذلك، قال: مهمتنا هي غزة فقط. وهنا تنازل المجتمعين عن أي حقوق للفلسطينيين.
2- الزام الأطراف الموقعة على الاتفاق بإعمار غزة، ففي الوقت الذي كان من المفترض – وحسب كل القوانين الدولية- محاسبة أمريكا، وإسرائيل، على جرائمهم بحق أهل غزة، وتدمير المنازل، والبنى التحتية، والمدارس، والمستشفيات، ودور العبادة، وهذه عدت جرائم حرب، حسب قرارات محكمة العدل الدولية، إلا أنَّ وبسبب الضغط الأمريكي على دول المنطقة، فقد أصبحت هذه الدول هي المسؤولة عن تمويل إعادة إعمار غزة، بإشراف شركات من مصر، وتركيا.
3- إنَّ حديث الرئيس الأمريكي عن السلام في المنطقة، وبناء علاقات بين دولها، الغرض منه توسيع اتفاقات براهام، لتشمل أكبر عدد من الدول العربية، والإسلامية، لاسيَّما أنَّ هناك بندًا يؤكد على سلام إسرائيل مع جوارها الجغرافي، وهنا أصبح السلام مقابل التنازل عن كل فلسطين للكيان الإسرائيلي.
4- حماية أمن الكيان الإسرائيلي هو جوهر قمة شرم الشيخ، بعد التأكيد على إنهاء أي دور مستقبلي للمقاومة، وحلّ سلاحها، بل التأكيد على تعاون دول المنطقة في هذا المجال، وهو يعني ضمنًا أن تدخل هذه الدول شريكًا في تفكيك المقاومة الفلسطينية.
5- إنَّ الكيان الاسرائيلي، وحكومته، خرجت من هذه الحرب بسلام دائم، وأموال، وحماية، ومساحة أكبر، وكما قالها الرئيس الأمريكي (ترامب): إنَّ إسرائيل خرجت أقوى، وأكبر، لاسيَّما بعد تمددها في سوريا، والضوء الأخضر الأمريكي بضم الضفة الغربية، حتى أنَّ غزة وحسب الاتفاق، سوف تدار من قبل قوات دولية بإشراف الرئيس الأمريكي نفسه. فعن أي سلام يتحدث الموقعون؟




