الاستراتيجية العالمية لمحاربة تنظيمي القاعدة و”داعش”

      Comments Off on الاستراتيجية العالمية لمحاربة تنظيمي القاعدة و”داعش”

ماري هابيك, جيمس جي كارافانو, توماس دونلي, بروس هوفمان, سيث جونز, فريدريك كاغان, كيمبرلي كاغان, توماس مانكن, كاثرين زيمرمان

معهد المشروع الأمريكي

7\12\2015

ترجمة: هبة عباس

مراجعة وعرض: م. م. ميثاق مناحي العيساوي

تواجه الولايات المتحدة تحديا أساسيا، إذ يشن كل من تنظيم القاعدة وتنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) – الذي قتل الآلاف من الأمريكيين والعشرات من المسلمين – حربا على الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها كجزء من الاستراتيجية العامة لإقامة دولة الخلافة العالمية. ويظهر من المكاسب التي حققها التنظيمان في سوريا والعراق وليبيا واليمن وجنوب آسيا عدم وجود تراجع لدى المتطرفين، وبإمكانهم تحقيق الانتصار، فتنظيم القاعدة – على سبيل المثال – وسع سيطرته وتأثيره في السنوات القليلة الماضية على الجماعات التابعة له في أكثر من ٢٠ بلداً.

في عام ٢٠١١، كان يقتصر عمل هذه التنظيمات على الأنشطة الإرهابية، لكن اليوم أصبح لها دورا قياديا جنبا إلى جنب مع تنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”)، إذ بدأت بإظهار قدرات الحرب التقليدية في سوريا والعراق واليمن، وفي الوقت ذاته، سيطر تنظيم “داعش” على مساحات شاسعة من سوريا والعراق ونفذ جميع مهام الحكم فيها، والأهم من ذلك أن المتطرفين وسعوا من الأراضي الخاضعة لنفوذهم، كما زادت فرص حصولهم على ملاذ آمن، ونشرت آيدولوجياتهم وزادت قدراتهم.

تواجه الولايات المتحدة تحولات استراتيجية مهمة تحول دون التصدي لهذه التهديدات، إذ ما يزال القادة الأمريكيون يجهلون طبيعة هذه الحرب ويسيئون فهم هذه التهديدات. وفي الوقت ذاته، أصبح موقف الولايات المتحدة العالمي أسوأ مما كان عليه في الثلاث سنوات الماضية، إذ قل عدد الحلفاء، وأصبح الشركاء أقل قدرة, كما قلت الموارد المتاحة، وكذلك عدد القوات اللازمة للتصدي لهذا التهديد. وكرد فعل على ذلك, اعتمدت الولايات المتحدة سياسات عدة لمواجهة تنظيم القاعدة وغيره من المتطرفين. كل هذه التصورات تثبت عدم قدرة الولايات المتحدة على الانتصار على تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش”.

وعلى الرغم من العزم الأمريكي على محاربة التنظيمات المتطرفة والذي يظهر من خلال الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا، تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة للتصدي لتنظيمي القاعدة و “داعش” والمجاميع التابعة لها و مكافحة التمرد، و يجب أن تتركز الجهود الأولية في بلاد الشام (أي المنطقة التي تشمل سوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية). فضلا على ذلك, يجب أن تتواجد الولايات المتحدة في جنوب آسيا حيث يتواجد تنظيم القاعدة.

وتتمثل أهداف هذه الاستراتيجية في وجوب هزيمة تنظيمي القاعدة و”داعش” والجهاديين أو الحركات الإسلامية القريبة من المجموعة، وتحرير السكان والمناطق التي يسيطرون عليها، وفقدان مصداقية آيديولوجية التطرف التي تتبناها. ونظرا لحجم المشكلة، تحتاج الولايات المتحدة إلى شركاء كفوئين ومتعاونين وحكومات شرعية للمساعدة في هزيمة تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش” عسكريا وآيديولوجيا.

تحقيق الانتصار على هذه التنظيمات يعني العودة بها إلى ما كانت عليه عام ١٩٨٠، عبارة عن مجموعة صغيرة غير قادرة على تنفيذ هجمات إرهابية كارثية، ويمكن تحقيق هذا من خلال تقليل قدرات المتطرفين حتى يصبحوا عاجزين عن تجنيد المزيد من الأتباع ليحلوا محل القادة الذين فقدوهم، وإحكام السيطرة على الأراضي، وتطبيق منهج الشريعة، ولا يمكن تحقيق أي شيء مما سبق إلا بوجود شركاء كفوئين.

تقود الطبيعة العالمية والشاملة لاستراتيجية مكافحة التمرد إلى تحولات صعبة، حيث لن يكون هذا الصراع سهلاً أو قصيراً، ويجب أن يكون البلد مهيأ سياسيا وماليا وعسكريا وذهنيا لخوض حرب طويلة الأمد، كما ويجب أن تكون هناك جهود مستمرة من أجل تنفيذ الاستراتيجية, فضلا على الدعم الداخلي. ويترتب على القيام بهذا خطرا كبيرا، لكن التقاعس سيكون أكثر خطورة.

وبازدياد هذه الظروف سوءا، ينفذ تنظيما “داعش” والقاعدة هجمات فتاكة في الولايات المتحدة، وإذا فشلت الأخيرة في الحد من سيطرة المتطرفين على الأراضي وتقويض الدول، فسوف يحصل كلا التنظيمان على أسلحة الدمار الشامل وسيكون من الصعب التصدي لهم، ويتطلب منع حدوث هذا جهوداً طويلة الأمد وجدية، لكن ستكون مكلفة وتشكل خطراً على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.

الموقف الحالي

تواجه الولايات المتحدة تحديا أساسيا، إذ يشن كل من تنظيم القاعدة وتنظيم “داعش” الذي قتل الآلاف من الأمريكيين والعشرات من المسلمين حربا على الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها كجزء من الاستراتيجية العامة لإقامة دولة الخلافة العالمية، فنحن بحاجة إلى معرفة حجم وعمق المشكلة التي نواجهها، وحجم الجهود اللازم بذلها، وأن نهيئ أنفسنا لحرب طويلة إذا كنا نرغب في تحقيق الانتصار.

وعلينا أن نتجنب تماما شبح الانهزام؛ لأن هذا صراعاً يمكننا الانتصار فيه، ويجب الانتصار فيه وفي أقرب وقت، وسوف يكون النصر حتمياً؛ لأن المسلمين يرفضون آيديولوجية “داعش” والقاعدة البغيضة. فالتحدي الذي يواجهنا هو كيفية التقليل من حدة الضرر الذي يلحق بشعبنا وطريقة حياتنا، والتصدي لما يحدث في حال حصلت هذه المجاميع على أسلحة الدمار الشامل. المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

يتطلب تحقيق النجاح إتباع نهج استراتيجي جديد، ينظر إلى العدو كنظام عالمي مترابط. وقد فشلت المحاولات السابقة الرامية إلى القضاء على تنظيم القاعدة والتي استمرت حوالي أربعة عشر عاما، إذ أصبح بحوزة المجموعة الآن قوة عسكرية أكبر ومناطق أكثر من السابق. هدف الولايات المتحدة الأول لا يتمثل في الهجوم على المناطق التي ينفذ فيها تنظيم القاعدة وإتباعه عملياتهم، إذ إن أفضل حل للتصدي لتنظيمي القاعدة و”داعش” هو القيام بسلسلة منسقة من الحملات الإقليمية لمكافحة التمرد، ويجب أن يتضمن هذا النهج جهودا حثيثة لتحقيق الاستقرار، وأن يجمع بين الجهود الدبلوماسية والسياسية والأمنية والإعلامية.

يجب أن تصمم هذه الحملات لكل صراع وفقا لطبيعة العدو وقوته، ومواقف السكان المحليين، وقدرة الحكومة في المنطقة التي تشهد قلقا وتوترا، فضلا على الكثير من العوامل، كما ويجب أن تكون هذه الحملات عالمية. ومن المستبعد التوصل إلى نتيجة حاسمة إذا لم تتم مزامنة هذه الحملات مع هذه الاستراتيجية الكبيرة، وأن تحقيق التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وسوريا وحزب الله لهزيمة “داعش” سيكون مثالاً على هذا النهج.

يجب أن تكون لدينا رؤية بعيدة بشأن تخصيص الموارد ولاسيما العسكرية منها لهذا الجهد وفي كل حملة، لكن لا توجد وسيلة لتنفيذ العمليات السريعة والحاسمة التي يفضلها القادة وصناع القرار الأمريكيين، إذ ليس لدينا في الوقت الحالي قوات عسكرية كافية وقوات برية لمواصلة الحرب في كثير من الأماكن.

يجب أن تعكس استراتيجيتنا المعنى القاصر وحقائق الرأي العام المحلي الحالي في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، ويجب أن تصمم الحملات من أجل إقناع الأمريكيين والحلفاء بإمكانية تحقيق الانتصار شريطة استمرار التزامنا على مر الزمان، وعلينا إقناع حلفائنا بأننا لن نتركهم في وضع حرج، وقد يتطلب الخلل الذي حدث في ميزان القوى في الشرق الأوسط تدخل القوات الأمريكية بشكل مباشر. وعلى الرغم من أن استراتيجيتنا الجديدة ستكون شاملة ودائمة، لكن علينا أن نتذكر ليس هناك خطة للتواصل مع العدو.

الاستراتيجية الكبرى يجب أن لا تكون على شكل ورقة مفردة، إذ يتطلب تنفيذها وضع خطط لتطوير البلد المنفصل، واستراتيجيات إقليمية وحملات، ونحن كمجموعة كبيرة ومتنوعة من المؤسسات البحثية سنعمل على توضيح هذه الاستراتيجيات من خلال جهود منسقة، والورقة البحثية التي صدرت مؤخرا في معهد المشروع الأمريكي حول اليمن تعد مثالا على ذلك.

موقف العدو

ليست هناك حاجة إلى استراتيجية كبيرة، إذ إن العدو ليس في حالة فرار، ويمكن اعتباره هو المنتصر، إذ تمكن من تحقيق مكاسب كبيرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن والقوقاز، كما يخطط لتنفيذ هجمات واسعة النطاق في الولايات المتحدة والغرب كما حدث مؤخرا في باريس.

تنظيم القاعدة على وجه الخصوص، وسع سيطرته وتأثيره في السنوات الثلاث الأخيرة مع أتباعه والجماعات المرتبطة به في أكثر من٢٠ بلداً، و بعد أن كانت له نشاطات وعمليات إرهابية محددة في عام ٢٠١١، لكن أصبح له اليوم دور قيادي في العشرات من حركات التمرد من شمال جمهورية مالي إلى ميانمار، مما وفر للمجموعة ملاذا آمنا وفرصة للسيطرة على الحياة والأراضي تمهيداً لإعلان الدولة.

وفي الوقت ذاته، سيطر تنظيم “داعش” على مساحات كبيرة من العراق وسوريا لأكثر من عام، ونفذ مهام الحكم الحقيقي فيها، وعلى الرغم من ضعفه لكنه يمتلك القدرة على التغلغل في المناطق الغربية كمدينة الرمادي في العراق وتدمر في سوريا، وقد سيطر على حياة الملايين من الناس بشكل مباشر من خلال ممارسة القتل الوحشي والترهيب فضلا على إنشاء المؤسسات.

وقد نمت القدرة العسكرية للمجموعة بشكل كبير، إذ بلغ عدد قواتها الأمنية حوالي ٢٠٠ ألف عنصر، ونجحت في استقطاب مجندين جدد من المسلمين في جميع أنحاء العالم، كما وسع التنظيم فروعه في ليبيا واليمن وأفغانستان والقوقاز، وأثبت بأن الهزيمة التي لحقت به في سوريا والعراق لن تؤدي إلى تدميره. والنتيجة الاستراتيجية لظهور تنظيم “داعش” ليست حدوث انشقاق في صفوف تنظيم القاعدة أو تقليل خطر المتطرفين، فبدلاً من ذلك تضاعف خطرهم في جميع أنحاء العالم، إذ بدء كل من تنظيم القاعدة و”داعش” بإظهار قدرات الحرب التقليدية في العراق وسوريا واليمن، فقد جهزوا قواتهم بعجلات نوع هامفي وناقلات الجند المدرعة والمدفعية لاستخدامها ضد قوات الأمن العراقية وقوات بشار الأسد. ومما تجدر الإشارة إليه، أن المتطرفين لديهم القدرة على القيام بذلك، في حين أن الولايات المتحدة وحلفاءها تقوم برد فعل على الأحداثفقط.

وعلى الرغم من تأثير ثورات الربيع العربي بشكل كبير على هذه التطورات، إلا أن الأمر الذي أدى إلى تزايد قوة تنظيم القاعدة و”داعش” هو قرار الولايات المتحدة القاضي بالانسحاب من القتال المباشر، وتخفيض المشاركة في الحرب وفي جهد تطبيق القانون ، فضلاً عن التركيز على منع حدوث هجمات في أمريكا. الإطار التحليلي الحالي الذي أعلنته الولايات المتحدة وأتباعها يركز على فهم تنظيم القاعدة بأنه “أساسي” وليس لديه ارتباط بفروعه.

بررت الحكومة الأمريكية تجاهلها لتنامي الخطر الذي يطلق عليه بـ”التمرد المحلي” من خلال تشخيص “الخطر الحقيقي” للولايات المتحدة، معتبرة جنوب آسيا هي نواة الخطر الحقيقي، وعليها التقليل من أهمية القيادة والسيطرة التي تمارسها القاعدة بجميع حذافيرها. وقد تسبب هذا – فضلا على التذمر من الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان – بمشاكل اقتصادية خطيرة نجم عنها أزمة مالية عام ٢٠٠٨، وتسييس الحرب مع تنظيم القاعدة.

يتطلب الوضع الأمني الحالي المتمثل بفقدان السيطرة على أماكن مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا التركيز المباشر لإيجاد حل من شأنه أن يقضي على العنف.

وهذا يعني أن أي اقتراح جاد للتعامل مع الموقف الحالي يجب أن يركز في البداية على الجانب العسكري والأمني. وعلى الرغم من الحاجة الماسة للاستراتيجية في الوضع الأمني، علينا عدم أرجاء الحلول السياسية اللازمة لنجاح الاستراتيجية على المدى الطويل.

تعريف العدو

تصميم الاستراتيجية يجب أن يبدأ من خلال معرفة رؤية العدو وخططه. فالفكرة الرئيسة التي يؤمن بها كل من “داعش” والقاعدة هي أن لديهم تكليفا إلهيا لإدارة المجتمع البشري، ويمكن إنجاز هذا من خلال تطبيق الشريعة الخاصة بهم، ويعتقد المتطرفون أن على جميع المسلمين تنفيذها. وفضلا على الشريعة المتطرفة، يلتزم تنظيم القاعدة بآيديولوجية معينة تدعى “العقيدة”، ومنهجية الجهاد التي أنشأها أسامة بن لادن وقادة آخرون عام ١٩٨٨ وتبناها حاليا أيمن الظواهري والكوادر القيادية من حوله. يتفق تنظيم “داعش” مع مبادئ هذه الرؤية العقائدية والمنهجية، لكنه يختلف على توقيتها وطريقة تنفيذها.    

تنظيم القاعدة عبارة عن كيان يتألف من شبكة من المنظمات وأعضاء معروفين، ويتم تعريفهم من خلال تأدية اليمين الدستوري “البيعة”، التي تربط الأعضاء بالقادة من خلال علاقة إقطاعية، وتحدد القادة والأتباع، وتتطلب تنفيذ الأوامر العليا.

أداء قسم البيعة يعني أن تنظيم القاعدة يتألف من القيادة المتحلقة حول الظواهري، والقادة الأقل رتبة ممن أدوا قسم هذه القيادة، وجميع الجنود المحليين الذين تعهدوا بالولاء لقادة تنظيم القاعدة.

فبعد أن كان عدد أعضاء تنظيم القاعدة حوالي مئة رجل عام ١٩٨٨، أصبح الآن يتكون من عشرات الآلاف من القادة والمقاتلين حول العالم.

“داعش” هو الآخر عبارة عن كيان ضمن التسلسل الهرمي لتنظيم القاعدة لكنه انفصل عنه ليشكل منظمة متميزة، ويعد أبو بكر البغدادي والمعروف بـ”الخليفة إبراهيم” السلطة الدينية والشرعية الوحيدة والحاكم السياسي للمجتمع الإسلامي بأسره “بالنسبة لتنظيم داعش”. ووفقا لرؤية الأخير، يجب على جميع المسلمين أن يقسموا بولائهم للخليفة، وفي حال رفضوا وتمردوا على السلطة الشرعية الوحيدة سيكون عقابهم الصّلْب، إذ يعد الخضوع للخليفة جزءا من التسلسل الهرمي الذي وضعه تنظيم القاعدة لكنه يرتبط ارتباطا وثيقا بـ”أمير المؤمنين”. فمن خلال هذا التسلسل الهرمي وعلاقته الوثيقة بقواته، يتمتع البغدادي بالقدرة على القيادة والسيطرة على الجهاز العسكري والسياسي الذي يجتاح العراق وسوريا حاليا أكثر من الظواهري، وبهذا يمثل تحديا أكبر من تحدي القاعدة للدولة.

استراتيجيات العدو

يتبع تنظيم القاعدة استراتيجية سياسية عسكرية عالمية منظمة لتحقيق أهدافه المتمثلة في السيطرة على العالم، والتصدي لجميع المعارضين لأنظمته الاجتماعية والدينية. إذ تعد استراتيجية التنظيم عالمية من حيث الرؤية والآيديولوجية والمبادئ، لكنها محلية وعملية من حيث التطبيق.

تركز المرحلة الأولى من استراتيجية تنظيم القاعدة على بناء وتأسيس تنظيمات في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وقامت بتحقيق هذا من خلال إنشاء مجاميع جديدة أو استمالة المقاتلين في البلدان المستهدفة، كما استغلت استمرار التمرد و الحكومات المركزية الضعيفة والكثير من الأراضي الخارجة عن سلطة الحكومة والعداء الداخلي “لعملاء الغرب”، كما تؤكد هذه المرحلة على الدعوة أو التبشير لإقناع المسلمين العاديين للانضمام إلى صفوف التنظيم.

أما المرحلة الثانية، فتركز على إنهاء التواجد الأمريكي في الدول ذات الأغلبية المسلمة، إذ يعتقد قادة التنظيم أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تملك الموارد والقدرات والإرادة اللازمة لدحرهم وهزيمتهم، ولذلك يقومون بقتل الأمريكان، مما يجبر الولايات المتحدة ليس على سحب القوات العسكرية فقط بل الدبلوماسيين والعلماء والسيّاح ورجال الأعمال من المناطق ذات الأغلبية المسلمة. ففي المناطق التي تتواجد فيها القوات العسكرية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها مثل “فرنسا، وبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وأثيوبيا”، يقوم تنظيم القاعدة باستهداف الحكومات الشريكة للولايات المتحدة من أجل زعزعة الاستقرار ومعاقبتها على تحالفها مع الولايات المتحدة.

يطبق التنظيم حكمه في المناطق التابعة له، كما يقوم بتشكيل حكومة ظل في مناطق مثل الصومال واليمن وسوريا وشمال باكستان بالتعاون مع حكامها السياسيين وقادتها العسكريين والشرطة الدينية “الحسبة” والقضاة الذين تعد مهمتهم الرئيسة تطبيق الشريعة، إذ إن المؤشر الرئيس على هيمنة تنظيم القاعدة في المنطقة هو السيطرة على السلوك العام للناس. كما سيؤدي انسحاب الولايات المتحدة من المناطق ذات الأغلبية المسلمة إلى تعزيز الانتصارات السياسية لتنظيم القاعدة وإسقاط الحكام المعادين لها في هذه البلدان، وستكون هذه المرحلة القادمة من استراتيجية التنظيم. أما المناطق التي تخلو من تواجد الولايات المتحدة أو حلفائها، فهي تعد خطوة متقدمة في محاربة الأمريكان بالنسبة للتنظيم، وسوف تكون المرحلة اللاحقة هي نشر مفهوم حكم تنظيم القاعدة في جميع أنحاء العالم من خلال العنف والدعوة إلى إنشاء إمارات إسلامية وتأسيس الخلافة.

وفي المقابل، اتخذ تنظيم “داعش” موقفا أكثر براغماتية في استراتيجيته العسكرية السياسية، وتظهر الوثائق التي تم العثور عليها في العراق اعتماد المجموعة على المفاهيم البعثية في المسائل العسكرية والسياسية، وتعطي صورة واقعية لخلافتها خاصة عند مقارنتها مع استراتيجية تنظيم القاعدة ذات الدوافع الآيديولوجية. وهذا لا يعني أن تنظيم “داعش” غير ملتزم بالآيديولوجية المشابهة لآيديولوجية تنظيم القاعدة، إذ إن آيديولوجيته أكثر تطرفا، وهو يطبق الشريعة المتطرفة بشكل فوري. يجب أن تؤخذ هذه العوامل بنظر الاعتبار عند السعي إلى فهم ومكافحة المجموعة منذ استخدام “داعش” آيديولوجيته لأغراء المسلمين، وتبرير قتله واستعباده للأبرياء، وبناء هياكل حكمه في العراق وسوريا.

المسارات المحتملة لعمل العدو

الأهداف الرئيسة للعمليات العسكرية لتنظيمي القاعدة و “داعش” (التي تشمل الإرهاب)، هي تقويض قدرة الولايات المتحدة والغرب على محاربتهما، والإطاحة بجميع الحكومات الحالية في العالم الإسلامي، والسيطرة على المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وفرض وجهة نظرهم عن الدين والحكم في المناطق التي يسيطرون عليها. إذ تعد القاعدة و”داعش” أنفسهما أنها الجيوش القادرة على نشر الإسلام كما فعل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والخلفاء سابقاً.

تنقسم الوسائل العسكرية التابعة لتنظيم “داعش” على شقين: عمليات المتمردين والعمليات التقليدية، إذ يمتلك التنظيم القوات الكافية ويقوم بتنفيذ عمليات إرهابية تتمثل بالهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة في كل مكان، وأن هدف الإرهاب في المناطق الخاضعة لسيطرتهم ترهيب السكان والقضاء على الطابور الخامس المتمثل في الصحوات التي تم تشكيلها بين عامي ٢٠٠٦- ٢٠٠٨، وأن تواجد الإرهاب في الغرب هو لمنعه من التدخل في شؤونه وإنهاء الدعم الغربي للأنظمة الإسلامية التي تقاوم تنظيم القاعدة و(الدولة الإسلامية “داعش”)، كما يهدف إلى إثبات قدرة الجماعة على العمل في معاقل العدو لغرض التجنيد وجمع الأموال. فبالنسبة لتنظيم “داعش”، فإن الهدف من تواجده هو لاستفزاز الدول الغربية للقيام برد فعل مبالغ فيه ضد المسلمين فيها، مما يؤدي إلى تسهيل تطرفهم.

لدى تنظيم “داعش” والقاعدة الكثير من الخيارات المتنوعة التي يمكن إتباعها لتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، يعتمد بعضها على الإرهاب والبعض الآخر على عمليات التمرد، وإن اخطر اتجاه أو سلوك يمكن أن تتبعه القاعدة هو شن هجوم مسلح في منطقة الحرب، تعقبه هجمات متزامنة في العديد من المناطق الإقليمية “الأقاليم” التي سيقسم التنظيم العالم إليها.

لا يمكن للاستراتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب التصدي لما يحدث، ويمكن أن يؤدي الهجوم المتعدد الأوجه المنسق إلى قهر شركاء الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، ومن غير المحتمل أن يشمل نهج الولايات المتحدة الحالي في تخصيص الموارد العسكرية و الاستخباراتية ضد مجموعة واحدة من الأعداء، ومن المحتمل أن يستهدف الهجوم المتعدد الجبهات القواعد الأمريكية في المنطقة بشكل مباشر، و تسلم المئات أو الآلاف من رجال الأعمال الأمريكان والسياح كرهائن، والتسبب في انهيار الحلفاء المهمين، وانتشار الحروب الفوضوية في المنطقة بأسرها.

ومن المحتمل انتقال تنظيم القاعدة إلى المراحل الفقهية، التي تشمل مرحلتي “الدعوة” و “الجهاد”؛ لتحويل الدول ذات الأغلبية المسلمة الضعيفة من مجرد دول داعمة للجهاد عن طريق “الهجرة أو التبرع بالمال” إلى دول سياسية تتفق مع رؤية تنظيم القاعدة، وبانتقال التنظيم إلى هذه المراحل سوف يصبح جزءاً لا يتجزأ من السكان، مما يستدعي جهودا حثيثة للتصدي له . سيكون هذا النهج أقل خطورة بالنسبة للولايات المتحدة على المدى القصير لكن يمكنها وضع جملة من الشروط لتنفيذ هجوم واسع متعدد الجبهات في المستقبل، ويتوقف نجاحها على ما تقوم به من الإرباك وتحويل الانتباه الغربي عن التأسيس التدريجي للقواعد المتينة.

وتتمثل أخطر عملية تمرد ينفذها تنظيم “داعش” باحتلال مدينة دمشق أو بغداد، وفي هذا السيناريو سيحاول التنظيم جمع قواته إما في سوريا أو في العراق للتصدي للمدافعين عن هذه الدول والسيطرة على إحدى العاصمتين. وسوف يفتح احتلال “داعش” لمدينة تدمر السورية الباب للهجوم على دمشق، ومما يزيد من هذا الاحتمال هو تشكيله غرفة عمليات مشتركة مع جماعات المعارضة السورية على الرغم من عدم وضوح الدور الذي يقوم به سواء من خلال العمليات التي ينفذها أم من خلال الحكم في المستقبل، وبطبيعة الحال من المحتمل استمرار المجموعة في نشر الجهاد إلى البلدان المجاورة. وسوف تلحق زعزعة الاستقرار الناتج عن استمرار توسع تنظيم “داعش” الضرر بالاقتصاد العالمي وتقوض الأمن والاقتصاد وتهدد استقرار الشركاء المحليين للولايات المتحدة مثل لبنان والأردن والإمارات العربية المتحدة والسعودية. فضلا على ذلك، بسبب الأعمال البشعة التي يقوم بها تنظيم “داعش”، بدأ بعض حلفاء الولايات المتحدة في شبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي يعدون تنظيم القاعدة تنظيما معتدلاً ومن المجموعات الأكثر قبولا التي يمكنهم التعامل والتفاوض معها. والعمل الأكثر خطورة على تنظيم القاعدة و”داعش” هو تحقيق المصالحة بين أجزاء منهما على أساس مهاجمة الولايات المتحدة. وتتم متابعة هذا الإجراء من قبل تنظيم القاعدة. وفي حال نجاحه، ستواجه الولايات المتحدة تهديدا أكثر خطورة من السابق.

فضلا عن هذا التهديد، من المحتمل أن يقوم كلا التنظيمان بسلسلة من الأعمال الإرهابية، وسيكون أخطرها حيازة واستعمال الأسلحة النووية أو الكيميائية، وهناك احتمال ضئيل على استخدام القاعدة للأسلحة البيولوجية، نظراً لتعهد والتزام الظواهري بحماية دماء المسلمين ومعالجة المشاكل المتأصلة والحد من انتشار مسببات الأمراض. وعلى الرغم من ذلك، من غير المحتمل اشتراك تنظيم “داعش” بالحظر المفروض على الأسلحة البيولوجية، كما أن تنظيم القاعدة ليس لديه أي مانع من استخدام الأسلحة النووية، وقد سعى في وقت سابق من أجل الحصول عليها، ومن المؤكد استمرار كلا التنظيمين بالتحريض على شن هجمات في أوروبا أو الولايات المتحدة، وما يزال تنظيم القاعدة ملتزما بتنفيذ هجمات واسعة النطاق كهجمات ١١ سبتمبر.

موقف الولايات المتحدة

تواجه الولايات المتحدة تحديات عقائدية ومادية كبيرة لغرض التصدي لهذه التهديدات، إذ ما يزال يجهل العديد من القادة الأمريكيين طبيعة هذه الحرب، ولديهم أفكار خاطئة بشأن هذا التهديد، وفهم طبيعة تنظيم القاعدة على أنه تحدٍ محلي. وبسبب وجهة نظرنا العلمانية، قلل صناع القرار والمحللون الأمريكيون والغرب من أهمية آيديولوجية وأفكار ودوافع تنظيم القاعدة و”داعش”، وهذا أمر ذو صلة؛ لأن أهداف تنظيم القاعدة وأفكاره كانت واضحة منذ البداية وتستند على أسس دينية متطرفة. وعلى الرغم من هذا، لم تضع الولايات المتحدة استراتيجية شاملة للتعامل مع التحدي الآيديولوجي المتطرف الحالي.

وفي الوقت ذاته، فإن موقفنا العالمي من الناحية المادية أسوء مما كان عليه قبل أربع سنوات، إذ قل عدد الحلفاء وقواعد التقدم والموارد والقوات اللازمة لمواجهة هذه المشكلة.

الوضع الأمني الجيد الذي تمتعت به الولايات المتحدة بعد عقد من هجمات ١١ سبتمبر، دفع الكثير من الأمريكيين إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت دولة آمنة، وخلق شعورا بالرضا عن النفس والرغبة في التقليل من قيمة تهديد تنظيم القاعدة، إلا أن تقاعس الولايات المتحدة عن مكافحة الإرهاب، بعد سحب جميع قواتها من العراق عام٢٠١١، سمحت لتنظيم القاعدة بإعادة بناء صفوفه بعد أن شهد مرحلة من الضعف.    

قاومت الولايات المتحدة إعادة نمو صفوف تنظيم القاعدة في اليمن كونه يشكل تهديداً محلياً، إذ قامت عدة مجاميع تابعة للتنظيم سابقا بشن هجمات متعددة ضد المعاقل الأمريكية فيها، بينما نمت المجموعة الإرهابية في العراق من خلال القيام بحملة استمرت عاما كاملاً لإعادة بناء صفوفه بعد الانسحاب الأمريكي، وبعد أن كانت قريبة من الانهزام أصبحت تشكل اليوم تهديداً بارزاً في المنطقة.

على الرغم من أن الأمريكيين أصبحوا أقل قناعة أو أقل رضا عن النفس, يبقى العديد منهم معارضا بشدة لفكرة المشاركة طويلة المدى في البلدان ذات الأغلبية المسلمة أو في زيادة النفقات العسكرية التي يتطلبها ذلك الصراع. وتبرهن هذه الحجج فشل الولايات المتحدة في التصدي لهذه المجاميع بعد أحداث ١١ سبتمبر، وتتساءل عن السبب الذي سيؤدي إلى الحصول على نتيجة مختلفة. وقد ركزت انتقادات الحرب على الإرهاب على حقيقة استحالة هزيمة آيديولوجية المتطرفين، وعليه ستتم خسارة الحرب قبل أن تبدأ. ولم يكن لهذه الاستراتيجية صدى مسموع في البداية، لكنها اكتسبت القوة خلال العقد الماضي، من خلال مواكبة النجاحات العسكرية لتنظيم “داعش” والقاعدة.

إن حقيقة فشل الجهود السابقة لا تعني أن الجهود المستقبلية محكومة بالفشل؛ لأن من يقرأ التأريخ العسكري الأمريكي بتمعن سوف يكتشف أن الولايات المتحدة غالباً ما تخطأ في بداية الصراعات، وأثبتت أمريكا تاريخيا قدرتها على التعلم من الأخطاء والهزائم والاستفادة منها في إنشاء استراتيجيات جديدة لتحقيق النجاح. ليس هناك ما يدل على أن هذا صراعاً مختلفا، بل إننا اتبعنا أفكارا واستراتيجيات خاطئة وعلينا الآن تغيير ذلك.

الاستراتيجية الجديدة لمحاربة “داعش” والقاعدة

تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى هزيمة تنظيم القاعدة و”داعش” من خلال تقويض مقدراتها وإمكانياتها وإعادتها على ما كانت عليه في نهاية الثمانينات، إذ كانت عبارة عن مجاميع صغيرة غير قادرة على القيام بهجمات إرهابية كبيرة, ويتطلب تحقيق هذا الهدف الانتقاص من قدر هذه الجماعات إلى درجة تجعل من الصعب عليهم تجنيد المزيد من الأتباع لكي يحلوا محل القادة الذين خسرتهم هذه المجموعات، والاستيلاء على الكثير من الأراضي، وفرض شريعتهم، وتنفيذهم لهجمات إرهابية.

إن الوضع الأمني المتدهور في البلدان ذات الأغلبية المسلمة يعني أن هذه الاستراتيجية يجب أن تضع حداً للعنف الذي يمنع الشركاء الإقليميين من مكافحة تنظيم القاعدة و”داعش”، ويفسح المجال أمام العدو لتجنيد أعضاء جدد وتنفيذ هجمات. كما إن الوضع يشهد حالة مزرية تستدعي أن يكون للجيش والمخابرات دور بارز، ولا يمكننا إنكار الحاجة إلى الحل السياسي والانخراط الدبلوماسي، وتوفير المتطلبات المالية والقانونية الجديدة، ومكافحة الآيديولوجية المتطرفة. الحكومة الأمريكية بحاجة إلى العمل مع حلفائها وشركائها في جميع هذه المناطق لهزيمة تنظيم القاعدة و”داعش”.

فضلا على ذلك، أظهرت السنوات القليلة الماضية أن على الولايات المتحدة أن تأخذ زمام المبادرة في هذا الصراع، إذ إن القيادة من الخطوط الخلفية ستزيد من تدهور الوضع؛ لذلك ستشكل الولايات المتحدة ائتلافا يمكنه مواجهة تنظيم القاعدة كونه جبهة موحدة.  

كما تحتاج الولايات المتحدة إلى إقامة شراكات محلية لتحقيق الاستقرار في المنطقة، من خلال العمل مع الحكومات في البلدان ذات الأغلبية المسلمة القادرة على تأمين أراضيها، لكن بعض الدول اليوم فقدت القدرة على تأمين وحماية أراضيها بفعل ازدياد القدرة الهجومية للعدو. إن تحديد أولوية الشراكات يجب أن لا يخفي حقيقة احتياج الولايات المتحدة إلى قيادة حلفائها وشركائها في سلسلة منسقة من العمليات الإقليمية لمكافحة التمرد ومحاربة تنظيمي القاعدة و(الدولة الإسلامية “داعش”)، وإن الهدف من هذه الحملات هو بناء حكومات قوية ومستقرة وشرعية قادرة على منع ظهور التنظيمين بعد الانتصار عليهم.

وبعد تعهد الولايات المتحدة بتنفيذ هذه الاستراتيجية، يحتاج قادتنا إلى معرفة موقف اللاعبين المهمين في الدول المسلمة. وفضلا على تنظيمي القاعدة و”داعش”، يقوم خصومنا مثل إيران وحزب الله والنظام السوري، بفرض الشريعة المتطرفة التي تتنافى مع طريقتنا في الحياة. كما تمثل روسيا من خلال انتشارها القوي في المنطقة، تحديا يمكن أن يقود إلى صراع إذا لم تتحلَّ بالحكمة الدبلوماسية.

نواجه الآن تحدي القوى الغامضة والمعزولة، التي يجب أن نتعامل معها بعناية، مثل الصين والسعودية وتركيا وباكستان وبورما والسودان وموريتانيا ومصر، الذين من الممكن أن يكونوا شركاء منتجين في بعض جوانب هذا الصراع. كما تملك الولايات المتحدة الكثير من الأصدقاء والحلفاء الذين سيكونون شركاء جيدين أيضا، مثل الأردن، ولبنان، وكردستان، وأذربيجان، وجورجيا، وإسرائيل، والمغرب، والجزائر، وتونس، والنيجر، ونيجيريا، وأفغانستان، والهند، والعديد من الدول في آسيا الوسطى كإندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، والفلبين، جنبا إلى جنب مع حلفائنا مثل بريطانيا وأستراليا وكندا وأوروبا.

يظهر هذا النقاش اعتماد هذه الاستراتيجية على الالتزام طويل الأمد لمواجهة هذا التحدي، ومن المحتمل أن نكون متورطين مع العدو الذي يصر على تطرف الجالية المسلمة من أجل استمرار التمرد العالمي. ليس هناك إجابة سهلة ومحددة لمشكلة بهذا الحجم، بيد أنه بإمكاننا بذل جهدا متواصلا تجاه الهدف الحقيقي الذي نستطيع تحقيقه، لكن سيكون لالتزام الاشتباك طويل الأمد انعكاسات كبيرة على هذه الاستراتيجية.

الآيديولوجية: مركز جاذبية للعدو

على الرغم من اعترافنا باستياء الوضع الأمني في أجزاء كثيرة من العالم والحاجة إلى معالجته بالسرعة الممكنة، نجزم بأن مركز الخطورة لتنظيمي القاعدة و”داعش” يكمن في الآيديولوجية التي يتبعها كلا التنظيمان، وشكل وتكوين الحركة الجهادية السلفية. إذ يمكننا إلحاق الهزيمة بهم من خلال نزع الشرعية عن الآيديولوجية التي يتبعونها لجذب المسلمين إلى تنظيم القاعدة والمنظمات المتطرفة الأخرى. وإذا فشلنا في التعامل مع الفكر والآيديولوجية المحفزة لتنظيم القاعدة، من المرجح أن يكون نجاحنا محدوداً، لذلك ينبغي على الولايات المتحدة العمل مع الشركاء المهمين في الدول ذات الأغلبية المسلمة لإظهار افتقار وقصور الآيديولوجية المتطرفة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الفصل بين الآيديولوجية والواقع، وإظهار افتقار الآيديولوجية للشرعية وتأثيرها الضار على العالم الإسلامي، وعدم قدرة “داعش” والقاعدة على تأسيس دولة جديدة.  

وباختصار، إن الولايات المتحدة بحاجة إلى جهود حثيثة للتقليل من شأن المتطرفين ورسائلهم الأساسية وآيديولوجيتهم الدينية. وكجزء من تحقيق هذه الجهود تبرز حاجة الولايات المتحدة إلى تمكين ودعم المنافسين الدينيين لتنظيمي القاعدة و”داعش” القادرين على هزيمة آيديولوجية المتطرفين، إذ تعد قوة وجاذبية المذهب الصوفي، طريقة أكثر روحانية للإسلام الذي يرفضه المتطرفون ويسعون إلى تدميره، ويمكنها تكوين حلفاء محليين لمواجهة وهزيمة المتطرفين.

فضلاً على المشاركة المعلوماتية، سوف تتطلب مواجهة آيديولوجية المتطرفين قيام الولايات المتحدة بأعمال في مختلف ألوان الطيف السياسي والعسكري. فمن خلال منع تنظيمي القاعدة و”داعش” من تحقيق انتصارات في العراق وسوريا واليمن، ستقوض الولايات المتحدة حجج الأعداء وتهيئ الظروف اللازمة لدعم الحكومات الشرعية في جميع أنحاء العالم، وسيؤدي تحقيق هذا الأمر إلى حدوث انقسامات في صفوف الأعداء، وقلة قواعد دعمهم والعمل مع شركاء محتملين للقتال. فمن الجانب الدبلوماسي، على الولايات المتحدة معاقبة كل من يعمل مع المتطرفين وطمأنة الحلفاء والشركاء بتواجدها على المدى الطويل. تقويض الآيديولوجية يمكن أن يتم ماليا ودينيا من خلال الحد من تمويل الشيوخ والأئمة المتطرفين وتعزيز البدائل المعتدلة.

الحل السياسي طويل الأمد

لمهاجمة هذه الآيديولوجية يتطلب تحديد الشروط اللازمة لتحقيق التسوية السياسية، لكنها لن تؤدي إلى إيجاد حل طويل الأمد من دون بذل الولايات المتحدة وشركائها جهودا متضافرة. ومن الخصائص المهمة لهذا الحل، تشجيع الحكم المشروع في نظر السكان في الكثير من البلدان، وتنفيذ مطالب مواطنيها، والقدرة على حماية أراضيها ومحاربة المتطرفين بدعم القليل من الغرباء.  

يتطلب كل جزء من هذا الحل عقوداً وليس سنوات من العمل المشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها. ومن المهم الإشارة إلى عدم إمكانية تحقيق سلام دائم دون إيجاد حل سياسي لمشاكل الشرق الأوس. وبالنظر إلى النجاحات العسكرية التي حققها تنظيما القاعدة و”داعش”، لا يمكن إيجاد حل سياسي بارتفاع مستويات العنف في المنطقة بأسرها.

مفهوم العمليات: استمرار الحملات الإقليمية لمكافحة التمرد

يظهر هذا النقاش أن تحقيق الانتصار العسكري على تنظيمي القاعدة و”داعش” سوف يحسم النجاحات الأخرى ومن ضمنها إلحاق الهزيمة بآيديولوجية العدو وتحقيق استقرار سياسي طويل الأجل. لكن باستمرار سيطرة كلا المجموعتين على الأراضي، وفرض رؤيتهم في الحكم، واستقطاب حلفاء ومجندين جدد، وزعزعة استقرار الدول، لا يمكن هزيمتهم وهزيمة آيديولوجيتهم. إن الحل العسكري الوحيد الذي يمكن من خلاله تحقيق الانتصار على المتطرفين هو مكافحة التمرد الذي يتحقق من خلال سلسلة من حملات إقليمية منسقة ومستمرة متزامنة مع الجهود السياسية والدبلوماسية والآيديولوجية.

مكافحة التمرد: كما تعلمت الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، من المستحيل الاعتماد على تقنيات الاستنزاف ومكافحة الإرهاب لهزيمة التمرد الذي يسيطر على حياة الشعوب ويجند أعدادا كبيرة من السكان لتشترك في الحرب غير النظامية التقليدية. لذلك وضع الجيش الأمريكي مجموعة من التقنيات الناجحة والمدروسة والتكتيكات اللازمة لإنهاء التمرد في العراق وإبطاء حركة تقدم المتمردين في أفغانستان، لكن للأسف تم تعطيل إمكانية عمليات مكافحة التمرد ضمن سياسة الجيش والنخبة في الولايات المتحدة. لذلك من أجل إنجاح هذه الاستراتيجية يجب إعادة تفعيل وتنشيط عمليات مكافحة التمرد في صفوف القوات البرية على وجه الخصوص.

مكافحة التمرد لا تعني مشاركة مئات الآلاف من القوات الأمريكية في القتال في العديد من البلدان، بل يجب أن نتعلم من تجاربنا في العراق وأفغانستان في المنظور الصحيح، إذ بدأ النزاعان في هذين البلدين بعدما أطاحت القوات العسكرية الأمريكية بحكومتيهما ودمرت قوات الأمن والشرطة التابعة لهما، فضلا على الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة، والتي سمحت لحركات التمرد بالنمو والتحول إلى تهديدات عسكرية كبيرة، دون تطوير قوات الأمن الأصلية من أجل مكافحتها.

هذه ليست الظروف التي نواجهها في مسرح الحرب ضد العدو، إذ يمتلك كل من العراق وأفغانستان قوات أمن وقوات شبه عسكرية خاصة بهم تقاتل ضد العدو، تحتاج إلى الدعم ولا ينبغي استبعادها من قبل القوات الأمريكية كما حدث في العراق عام ٢٠٠٧ وفي أفغانستان عام ٢٠٠٩. وعلى الرغم من تجزئتها، ما تزال القوى الإقليمية والدولية تواجه تنظيمي القاعدة و”داعش” في اليمن وليبيا والصومال ومالي. أما الجيوش المصرية والنيجيرية فتتمتع بالقوة والتماسك ويمكنهم أن يكونوا شركاء معنويين إذا تم إقناع الحكومات في القاهرة وأبوجا باعتماد استراتيجيات مكافحة تمرد أكثر ملائمة. وقد أظهرت القوات الأمنية ومؤسسات الشرطة في الجزائر وتشاد وأوغندا وكينيا قدرتها على محاربة تنظيم القاعدة و”داعش”، وبإمكانها القيام بالمزيد إذا ما تم دعمها عسكريا، وتم إحداث تغييرات على نهجها المحلي والإقليمي. أما سوريا، فهي تفتقر إلى أي وسيلة تقربها من الشركاء المحليين الذين يمكننا العمل معهم.

لن تكون مكافحة التمرد اللازمة لهزيمة تنظيمي القاعدة و”داعش” المصدر الوحيد للجيش الأمريكي، إذ يعتمد على الجهود المدعومة من قبل شركائنا وحلفائنا، وهذا في أغلب الحالات يجعل من غير الضروري ومن غير المستحسن نشر أعداد كبيرة من القوات العسكرية الأمريكية للمشاركة في القتال. فالقدرة العسكرية للعديد من شركائنا المقصودين منخفضة، ويفتقرون إلى الخبرة اللازمة لمكافحة التمرد الحديث، لذا يجب على حكومة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الاهتمام في تدريب قوات الشركاء في مكافحة التمرد وإقناع القادة العسكريين والسياسيين بأن هذا الأمر ضروري لتحقيق النجاح. إن عملنا مع الشركاء لا يحول دون مشاركة عدد محدود من القوات البرية الأمريكية إذا تطلب الأمر، كما يحتاج شركاؤنا دعما أكثر من دعم المدربين.

الحملات الإقليمية: بسبب عدم اعتراف تنظيمي القاعدة و”داعش” بالحدود الدولية، واستخدام الدول المجاورة وسيلة لإعداد وتدريب قوات للمعركة، فأي محاولة لمحاربتهم يجب أن تكون على أساس إقليمي وليس على أساس دولي.

إن محاذاة الحملات مع المناطق الإقليمية للعدو والممتدة عبر حدود الدولة سوف تمنع العدو من الاستفادة من المناطق المجاورة الخاضعة لسيطرة الدولة، وكذلك القدرة على استغلال الشبكات عبر الحدود غير المشروعة، إذ وجد كل من تنظيم القاعدة و”داعش” ملاذات آمنة في الأراضي الواقعة في محيط الدول أو غير الخاضعة لسيطرتها، حيث يتم فيها دعم عملياتهما بصورة مباشرة، ومنع تدعيم المكاسب ضدهما، وتبني عمليات التهريب وشبكات الهجرة المرتبطة بالنظام العالمي، حيث يستغل كلا التنظيمان الملاذ الطبيعي الآمن لصالح تمردهم وهجماتهم الإرهابية في الوقت الذي يستخدمون فيه الشبكات لقمع المقاتلين والمقدرات والمراسلين أو تحصيل ضرائب على السلع من خلال المنافذ التي تقع تحت سيطرتهم.

حرمان تنظيمي القاعدة و”داعش” من الحصول على الملاذ الآمن و ما يمكّن الأنظمة الإقليمية سيؤدي إلى تفكيك صفوفهم ويمنع حصولهم على دعم خارجي إضافي. ومن المهم التأكيد على أن العديد من هذه العمليات هي مسائل يمكن معالجتها من خلال إنفاذ القانون المحلي والدولي وليس من خلال القتال، ولا يمكن أن تكون هذه العمليات فعالة إلا إذا اتسمت بالتنسيق وتعدت حدود الدولة، لكن الشبكات الإجرامية التي يعتمدها تنظيم القاعدة و”داعش” مصممة لتعمل جنبا إلى جنب على الثغرات والانشقاقات داخل الحكومة.

منسقة ومستمرة:سوف تحتاج المشاركة الإقليمية للولايات المتحدة إلى التنسيق لفصل الجهود على المستوى الإقليمي ومنع المتطرفين من الفرار إلى الدول المجاورة وإعادة إنشاء تنظيماتها. فضلا عن ذلك، إن تقليل عدد الجيش الأمريكي على مدى السنوات الأربع الماضية يعني عدم قدرتنا (على الأقل في البداية) على تنفيذ أكثر من حملة عسكرية كاملة الموارد في وقت واحد، لذلك يجب القيام بحملات عسكرية وسياسية متتالية ومستمرة بحيث لا يبقى لا لتنظيم “داعش” ولا القاعدة الوقت والمكان اللازمين للراحة وتجنيد المزيد من المتطرفين والقيام بعمليات إصلاح في مناطق أخرى.

التركيز على أي منطقة معينة يجب أن لا يعني أن بإمكان الولايات المتحدة تجاهل أو إهمال مناطق أخرى من العالم، إذ استفاد تنظيم القاعدة في اليمن وليبيا وسوريا بشكل مباشر من عدم رغبتنا أو عدم قدرتنا على اتخاذ إجراءات ضد قوتهم المتنامية، لذلك ستحتاج الولايات المتحدة إلى العمل مع شركائنا وحلفائنا على أساس عالمي، من خلال الجهود الدبلوماسية والاستخباراتية وقوات العمليات الخاصة لقمع أي نشاط إرهابي، بما في ذلك حركة المقاتلين الأجانب، وفي بعض الحالات، ضبط الأوضاع الأمنية في منطقة المعركة للقيام بحملات لاحقة.

تزامن الجهود: على الرغم من أن الأولوية للجهود العسكرية في هذا الوقت، فلا يمكن هزيمة تنظيمي القاعدة و”داعش” من دون المشاركة الكاملة للحكومة الأمريكية، إذ ستتطلب المهمات الاستراتيجية الرئيسة تواصلاً آيديولوجيا وسياسياً ودبلوماسياً. وقد أشرنا إلى الكثير من الأعمال التي سوف تساعد على هزيمة آيديولوجية التنظيمين المتطرفين. ومن المهم أن نضع في الحسبان أن الآيديولوجية هي مركز خطورة وثقل العدو، فأي عمل عسكري أو سياسي أو دبلوماسي يجب أن يكون له ثقل وتأثير لضمان مساعدتهم لنزع الشرعية عن المتطرفين ولا يفسح المجال لاستراتيجيات العدو الإعلامية.

أما من الناحية السياسية، تواجه عمليات مكافحة التمرد التي تعرضها وتقترحها هذه الاستراتيجية سلسلة من التحديات المتمثلة في الحاجة إلى حكومات شريكة لا يمكن تقويضها بفعل ضغط الحرب الطويلة أو لا تتأثر بالحرب الطويلة، إذ أظهر الربيع العربي إمكانية انهيار حتى الحكومات القوية بفعل الحكم الفاسد، والاقتصاد الفاشل، والبدائل المتاحة من قبل المتطرفين والليبراليين على حد سواء. لذلك يجب أن تعمل الولايات المتحدة على إنشاء حكم متجاوب وشرعي, ولديه القدرة على القيام بعمليات مكافحة التمرد بالاشتراك مع القليل من المساعدين.

على الولايات المتحدة تشجيع الحكم الذي يلبي احتياجات ومطالب السكان ككل وليس عائلة أو قبيلة أو حزب أو مجتمع معين. فعلينا فهم الشرعية من حيث المجتمعات نفسها وليس من حيث تناسبها مع التعريفات الغربية لتشكيلات الحكم الشرعي. يجب أن تصبح هذه الحكومات أكثر قدرة على حماية نفسها من تنظيمي القاعدة و”داعش” من الناحية السياسية و العسكرية، ويمكن أن يحدث هذا في حال تقليل اعتمادها على الاستنزاف عندما تواجه تمرداً على استراتيجية مكافحة التمرد التي تركز على السكان.

ولتشجيع هذا النوع من الحكم وبناء الشراكات الضرورية لهزيمة القاعدة و”داعش”، سوف تحتاج الولايات المتحدة أيضا إلى استراتيجية دبلوماسية عالمية تتزامن مع الجهود العسكرية والسياسية. وكما أكدنا مرات عدة على عدم قدرة الولايات المتحدة على هزيمة تنظيمي القاعدة و”داعش” في مناطقنا، لذلك يجب أن ينظم إلينا حلفاء وأصدقاء وشركاء أقوياء لتنفيذ هذه المهمة وإلا سوف نفشل في تحقيقها.

سيكون الدعم المحلي والاتفاق بين الطرفين أمرا حيويا وفعالا لهذه الاستراتيجية، ويشمل توضيح أسباب الإطاحة بالمتمردين وأهداف هذه المعركة وحقيقة إمكانية المثابرة والصبر لهزيمة تنظيمي القاعدة و”داعش”. ومن المهم إبقاء أو استمرار الدعم السياسي للحرب عبر الحدود الحزبية، ولا يمكن أن يكون بقاء الولايات المتحدة من طرف أو جانب واحد.

دورات عمل الولايات المتحدة: الجهود الرئيسة والداعمة

نظرا للتدخل السريع الذي يتطلبه الوضع الأمني في العراق وسوريا، وحقيقة أنهما مصدرا ثقل لـ”داعش”، فالجهود الرئيسة لاستراتيجيتنا ستكون في هذين البلدين؛ لأن التركيز على هذه المناطق سوف يحشد الدعم المحلي والدولي لمحاربة تنظيمي القاعدة و”داعش”. منذ معرفة معاناة هذين البلدين من عمليات النهب التي يقوم بها المتطرفون، يمكننا العمل مع الكثير من الشركاء وتحقيق الانتصار.      

تتضح حاجة بلدان عدة في هذه المنطقة إلى استراتيجيات فردية مصممة لتتناسب مع الوضع الأمني والسياسي والدبلوماسي والآيديولوجي. ففي العراق وسوريا يجب أن تحتل المخاوف الأمنية الصدارة، لكن هذا لا ينطبق على جميع البلدان في المنطقة.

وهناك حاجة إلى القيام بعمليات في المناطق الأخرى مثل شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا وخاصة (أفغانستان وباكستان) لدعم الجهد الرئيس. إذ حاول أتباع تنظيم القاعدة في اليمن المرتبطين ارتباطا وثيقا بجبهة النصرة في سوريا مرارا وتكرارا القيام بهجمات إرهابية في اليمن، واستفادوا الآن من الوضع الأمني والسياسي المنهار في البلاد لاحتلال الجزء الجنوبي من اليمن.

ومن الجدير بالذكر أن تنظيم “داعش” حصل على موطئ قدم له في اليمن، كما يعد جنوب آسيا مركز القيادة العامة له، وإذا أردنا هزيمة المجموعة يجب إضعاف هذه المنطقة، ويجب أن يعقب كلا الحملتين الإقليميتين الحرص على تشكيل المعركة في المنطقة للعمليات المستقبلية.

ضرورة الثبات

تقود الطبيعة العالمية والشاملة لهذه الاستراتيجية إلى تحديات خاصة صعبة وستكون معركة أجيال، لذلك يجب أن يكون البلد مستعداً من الناحية السياسية والمالية والعسكرية والنفسية لحرب طويلة، وكل من يخشى من تأثير استمرار الحرب عليه المشاركة في القتال. ومن غير المهم الحديث عن حالة الفرار والتشتت التي كان يعيشها العدو في السنوات القليلة الماضية.

والأمر متروك للقيادة السياسية في كل دولة للتأكيد على أن شعوبهم ليست موهومة بطول مدة القتال، وعدد الضحايا الذي من المحتمل أن يعانوا منه، أو بسهولة الانتصار على العدو. وفي الوقت ذاته، سيكون من الضروري عدم إثقال الحكومات بأعباء لا تستطيع تحملها؛ لأن هذا سيؤدي إلى نتائج كارثية.

ومن أجل المساعدة في هذا التحدي، تحتاج الولايات المتحدة أن تظهر لخصومها أن الوقت ليس في صالحهم، في حين تطمئن حلفاءها وشركاءها وأصدقاءها بعدم سعيها إلى تحقيق مكاسب لمدة قصيرة وبالتزامها في خوض هذا الصراع حتى النهاية، أي الهزيمة النهائية لتنظيمي القاعدة و “داعش”. فعلينا منذ البداية إتباع مسار استراتيجي يمكنه أن يؤدي إلى تفكك العدو بدلا من السعي إلى تحقيق نصر سريع يمكنه إقناع الجمهور المحلي لكن لن تكون له آثار استراتيجية.

وعلينا أيضا أن نذكر أنفسنا باستمرار بإمكانية تحقيق النصر في هذه المعركة الصعبة؛ لأن تنظيمي القاعدة و”داعش” ليسا بقوة هتلر أو الاتحاد السوفيتي في أوج قوتهم.

لسنا الوحيدين الذين نبذل هذه الجهود، فعلى الرغم من تجنيده لأعداد كبيرة من المتطرفين على مدى عقود، وسيطرته على الكثير من الأراضي لسنوات عدة ، ما يزال فكر تنظيم القاعدة لا يحظى بشعبية كبيرة في العالم الإسلامي، كما أن الأشخاص الذين حاولوا فرض فكر التنظيم عليهم يسعون مرارا وتكرارا لإسقاطهم وهزيمتهم. ليس هناك شك في هزيمتهم، لكن نتساءل عن تكلفة القيام بذلك، فالاستراتيجية الكبرى التي نقترحها من شأنها التقليل من خسارة الوقت والأموال، والأهم منها الأرواح.

مخاطر العمل والتقاعس

يبدو أن مخاطر العمل واضحة ومؤثرة، فإذا شاركت الولايات المتحدة في حرب غير مدروسة وغير شاملة ضد تنظيمي القاعدة و”داعش” من خلال غزو عدة دول بمئات الآلاف من الجنود، فستكون واحدة من أطول المساعي التي قامت بها الولايات المتحدة وأكثرها كلفة في الأرواح والأموال. نحن لا ندعم مثل هذا المسار، ولكن النهج الذي نوصي باتباعه سيتطلب نشر عشرات الآلاف من القوات الأمريكية كمستشارين ومساعدين في العديد من البلدان، واستخدام القوة الأمريكية الجوية والبحرية لدعم الشركاء المحليين، وتوسيع قدراتنا الاستخبارية بشكل كبير، والرغبة في تبادل المعلومات مع الأشخاص الذين لا نثق بهم، وإعادة توجيه أو توسيع المساعدات الخارجية والتمويل العسكري الأمريكي والمبيعات العسكرية الخارجية، وتكريس ما يلزم لدعم المكونات غير العسكرية من هذا الجهد.

وقد يتطلب نشر قوات أمريكية كبيرة لمعالجة الأزمات الحرجة التي لا يمكن معالجتها بأي طريقة أخرى، ويجب أن نكون مستعدين ماديا وذهنيا لمثل هذه الحالة الطارئة.

سوف تكون هناك معارضة شعبية ونخبوية لطول مدة المعركة وتكلفتها وتقدمها الواضح، وسوف يعمل السياسيون على تقليل عدد الوفيات في صفوف الأمريكان في المعركة، وتحقيق المصلحة العامة، والحفاظ على الأموال من خلال الانتصار والانسحاب من المعركة، ومن المحتمل أن تواجه الولايات المتحدة مشاكل مالية تحول دون مواصلة الحرب.

إن تحقيق النصر غير مضمون حتى لو كانت الولايات المتحدة تكرس نفسها للقتال، إذ من المكن عودة حركات التمرد التي تم قمعها بكل الطرق المتاحة لمكافحة المتمردين، لكن الحروب الأهلية بطبيعتها تولد الصراع، وتعني هذه الحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد تضطر إلى ترك أعداد كبيرة من القوات البرية في جميع أنحاء العالم، وربما لعقود، وكان علينا القيام بهذا منذ الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية، وهناك احتمالية لتدخل الولايات المتحدة بشكل كبير من أجل هزيمة العدو الخطير في حال عدم توفر خيارات أخرى، لكن الكثير منا يهدف ويخطط إلى تجنب ذلك.

مخاطر التقاعس تشكل ضرراً كبيرا، فإذا قررت الولايات المتحدة التقليل من حدة صراعها مع تنظيم القاعدة و”داعش” واقتصار سياستها على محاربة الإرهاب للحفاظ على أرواح وأموال الأمريكيين، سوف يسيطر المتطرفون على الكثير من الأراضي والناس، و يكون بإمكانهم إنشاء دول في الأراضي المهددة. أما الدول والمناطق التي تواجه التمرد كتهديد ثانوي، سوف يجبرها المتطرفون على التمرد بشكل كبير، بينما المناطق التي تواجه مشكلة الإرهاب والتمرد سوف تعاني من حركة تمرد كبيرة جداً، وحتى شركائنا الأكثر قدرة سوف يواجهون تهديدا حقيقيا للإرهاب والتمرد.

فإذا حافظت الولايات المتحدة على مستوى جهدها الحالي، من المرجح أن نواجه العدو الذي سيطر على ضعف الأراضي والسكان خلال عامين في العراق واليمن وشمال أفريقيا (خاصة ليبيا) وسيناء وسوريا، بمشاركة مقاتلين مسلحين نظاميين وغير نظاميين. إذا استمر تقاعسنا، سوف يستعيد تنظيم القاعدة اليمن والصومال وأفغانستان، وسوف تصبح ملاذات آمنة لسنتين أو ثلاث سنوات، ومن ثم سوف يشكل تهديدا للكثير من الدول والمناطق مثل “موريتانيا والنيجر ونيجيريا الشمالية وجزء من أفريقيا وتونس ومصر وباكستان”.

فقدان المناطق الرئيسة والمهمة التابعة لكلا المجموعتين، سوف يسمح للمتطرفين بإيجاد ملاذات آمنة متعددة تستخدمها للتآمر ضد الولايات المتحدة وتقويض عدد من الدول في العالم، وهذا سيمكنهم من الحصول على الكثير من الموارد المالية والبشرية التي لم يحصلوا عليها من قبل. وبازدياد هذه الظروف، سوف يقوم تنظيم القاعدة أو “داعش” أو كلاهما بتنفيذ هجمات إرهابية فتاكة ضد الولايات المتحدة، والأمر المقلق أكثر هو إذا لم نتمكن من منع سيطرة المتطرفين على المزيد من الأراضي وتقويض الدول كما حدث في باكستان، فسوف يحصل كلا التنظيمان على أسلحة دمار شامل وسوف يكون من الصعب محاربتهم.

منع حدوث هكذا نتائج يتطلب القيام بجهود طويلة وجدية، لكن أكثرها فائدة سيكون مكلفا ويشكل خطرا على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها من أجل إيقاف ودحر هذا العدو. وفضلا على كل ما تقدم، هو جهد يمكن ويجب أن ينجح.          

https://www.aei.org/wp-content/uploads/sites/2/2015/12/A-Global-Strategy-for-Combating-al-Qaeda-and-the-Islamic-State-online.pdf